عن الموقع

يعرض هذا الموقع أعمال و دراسات الأديب الدكتور نجيب الكيلاني رائد الأدب الإسلامي الحديث. تقديرا منا لأعماله الفكرية و الأدبية، و لتعرفه الأجيال الصاعدة.

الجمعة، 24 يونيو، 2011

ملامح من حياة نجيب الكيلانى وأثرها على إنتاجه الأدبي 1


قبل الخوض في مضمار هذه الدراسة, يرى الباحث أنه من الأوفق أن نتعرف على شخصية نجيب الكيلانى, والبيئة التي نشأ فيها؛ لأن التعرف على شخصية الروائي, يكسب الباحث أبعاد هذه الشخصية في جوانبها المختلفة, ونتاج هذه الأبعاد على كتاباته, كما أن البيئة التي ينشأ فيها الأديب يكون لها أبلغ الأثر في تكوين فكره, وآرائه, ومعتقداته, واتجاهاته, وميوله, لأن الأديب لا يمكن فصل نتاجه الأدبي عن حياته, ومعتقداته.

من خلال استقراء البطاقة الشخصية لنجيب الكيلانى, وجد الباحث أن اسمه (نجيب الكيلانى إبراهيم عبد اللطيف) ولد في قرية (شرشابة) التابعة لمركز(زفتي) التابعة لمحافظة(الغربية) وكان مولده في شهر(المحرم1350هـ)، في اليوم الأول من شهر (يونيو 1931م), وكان أول مولود يولد لأبية وأمة, وعلى غرار عادة أهل الريف في هذا الوقت التحق نجيب الكيلاني بكُتَاب القرية, وعمره أربع سنوات, وظل به حتى السابعة من عمره. وفي هذا دلالة علي أنه نشأ في بداية حياته نشأة دينية, حيث أنه من خلال هذه المدة التي قضاها في الكُتَاب أَلَمَّ بقواعد القراءة, وبعض الأحاديث النبوية، ومقتطفات من السيرة، والأناشيد الدينية والوطنية، وأسماء الله الحسنى, وأسماء الرسول، ونسبه ومولده، وبعض القصص القرآنية, وكانت لهذه المؤهلات في هذا السن المبكر, عوامل مؤثرة في نتاجه الأدبي, ولهذا كان الكيلاني مديناً في تأسيس حياته العلمية بالكثير لكُتَاب الشيخ (محمد درويش).(1)

ونشأ الكيلاني في أسرة تعمل بالزراعة, ولهذا كان يشارك أسرته في أعمال الحقل المعروفة, (كنقل السماد البلدي من الحظائر إلي الحقل), كما كان يساعد أهله في زراعة المحاصيل المختلفة، وفي هذا دلالة علي أنه كان يمارس حياته العادية كأي إنسان من أبناء القرية, ولد في أكناف البيئة الريفية.

بدأت المراحل التعليمية عند نجيب الكيلاني – كما قلنا - بكُتَاب الشيخ (محمد درويش) بالإضافة إلي المدرسة الأولية, التي كان التعليم فيها إلزامياً, وكانت هذه المدرسة هي الوحيدة آنذاك في قرية(شرشابة), وبناء على ذلك نشأ الكيلانى مرتبطاً بالكُتًاب في الفترة الصباحية, وبالمدرسة الأولية في فترة الظهيرة، وكان هذا الارتباط له أكبر الأثر في تكوين عقليته العلمية, والأدبية, وكان بمثابة المورد الأول لثقافته.

أما المورد الآخر لثقافة الكيلاني ـ في هذا الوقت ـ فكان يتمثل في عمه(عبد الفتاح), الذي كان منكبا علي قراءة كتب المنفلوطي, الرافعي, ودواوين شوقي ومسرحياته, والقليل من مؤلفات طه حسين, وبعض كتب التراث, وكان الكيلاني- في هذا السن المبكر- يأخذ بعض هذه الكتب ويحاول القراءة فيها, فيفهم بعضها, ولا يستطيع استيعاب البعض الآخر, فكان عمه (عبد الفتاح) هو الملجأ لشرح ما غمض عليه فيها.

ثم التحق الكيلاني بعد ذلك بمدرسة(الأمريكان)الابتدائي ة بقرية(سنباط), حيث تدرب فيها علي الخطابة, وحفظ مأثورات الشعر, وتربية ملكة التمييز بين المواهب, وإبداء الرأي الآخر, ثم التحق بمدرسة(كشك) الثانوية بمدينة(زفتي), وكانت دراسة المرحلة الثانوية- في هذا الوقت- خمس سنوات، وأراد الكيلانى أن ينتقل إلي مدرسة طنطا الثانوية, ولكنه وجد أن الصف الأول الثانوي بطنطا ليس به مكان شاغر, فاضطر إلي أن يتحول إلي مدرسة (الزراعة الثانوية بطنطا), ليتمكن في السنة القادمة من التحويل إلي أي مدرسة ثانوية صرفه, وفعلا تحول في العام التالي إلي مدرسة(طنطا الثانوية), وكان لهذا الانتقال أثر كبير في اكتسابه بعض الخبرات, والمعارف العلمية, والأدبية.

وبعد انتهاء المرحلة الثانوية بنجاح, التحق الكيلاني بكلية الطب(جامعة القاهرة) في شهر (سبتمبر1951م), وتخرج منها, وعمل بوظيفة (طبيب امتياز) في مستشفى (أم المصريين) بالجيزة عام (1961م), ثم طبيباً ممارساً بقريته(شرشابة) ثم انتقل ليعمل في وزارة النقل والمواصلات, وتسلم عمله في القسم الطبي بهيئة السكك الحديدية, ثم سافر إلي دولة(الكويت) ليعمل طبيباً هناك, وذلك في اليوم الحادي والثلاثين من شهر مارس (1968م), ثم انتقل منها إلي دولة(الإمارات العربية), وقضى بها ما يقرب من (ستة عشر) عاما, كانت حافلة بالتجارب, والروئ, والممارسات العلمية, والثقافية, والأدبية, واختلط هناك بالعديد من الشخصيات, منهم الوزراء, والكُتَاب, والصحفيين, ورجال الأعمال, من شتى الجنسيات, وكان آخر منصب وظيفي له هناك, مستشار مكتب وزير الصحة, ثم رجع إلي موطنه (طنطا)؛ ليخوض معركة شرسة مع مرض سرطان (البنكرياس), الذي لم يستمر معه أكثر من ستة أشهر, لقي بعدها ربه بعد عيد الفطر المبارك بيوم واحد, في شوال (1415هـ) – مارس (1995م).

كانت هذه المراحل التعليمية المختلفة في حياة نجيب الكيلاني هي الرافد الأول من روافد ثقافته العلمية, والدينية, والأدبية, حيث كان يستغل كل مرحلة من هذه المراحل في التزود من العلوم المقررة عليه, وكان يحاول أن يكون من المتفوقين, ومن المتميزين عن أقرانه, وقد نجح في ذلك نجاحا مبهرا,حيث كان الكيلاني من ضمن أوائل الطلاب الذين حصلوا علي إتمام الشهادة الابتدائية,وكان تربية الخامس علي جميع طلبة منطقة وسط الدلتا.


كما كان يستغل الأجازة الصيفية في كل مرحلة من هذه المراحل في القراءة والكتابة، فمنذ التحاقه بالمرحلة (الابتدائية) وهو يقضى الأجازة الصيفية في القراءة والكتابة، لأن هذه الأجازة ـ علي حد تعبيره ـ كانت " طويلة جدا وكان لابد من ملئها, ولكن لم يكن في استطاعتي الذهاب إلي المصايف, أو السفر إلي المدن, لذلك كانت الرياضة والقراءة هما الملاذ الأول والأخير لي في تلك الأجازة. "(1)

وفي مدرسة(الزراعة الثانوية) بطنطا كان الكيلاني يدخل المكتبة العامة عصر كل يوم, ويأخذ كُتُب كِبَار الأُدباء, ويقرأها بشغف زائد, ويُسجل في كراسته الصغيرة بعض المقتطفات المهمة، وكان يلتقي بمجموعة أصدقاء المكتبة, فيتبادل معهم الآراء, والأفكار, والروئ, حول بعض الكتب المهمة.(2)
وفي المرحلة(الجامعية) كان الكيلاني يقضي أجازته الصيفية في القراءة وممارسة الألعاب الرياضية, وإعطاء بعض الدروس الخصوصية للطلبة الذين لم يحالفهم الحظ في امتحان الدور الأول، كما كان يشارك في إلقاء بعض الدروس الدينية في المساجد, وكانت دروسه تمزج بين الدين والسياسة.

وكانت معظم قراءات الكيلانى ـ في فترة الصيف ـ في كُتُب الأدب والدين, وبعض المجلات السيارة القديمة والحديثة, مثل مجلة(الرسالة, والهلال, والمقتطف, والأزهر), وكان مُولِعاً أشد الولع بكُتب الشعر والقصة, وخاصة قصص الجيب, والروايات البوليسية, والترجمات العديدة، بالإضافة إلى حفظ القرآن, والكثير من الأحاديث النبوية, والشعر القديم والحديث, وبعض النصوص البلاغية, وسير القدماء والمحدثين, وغيرهم. فالقراءة كانت متعته الحقيقية, لذلك كان يُخَيَل إليه أنة لم يكن يشبع منها أبداً, فقد أصبحت نوعاً من الإدمان بالنسبة له, وكان يقرأ كل شيء يقع في يده, كما كان لدية القدرة على حفظ الكثير من النصوص.(1)