عن الموقع

يعرض هذا الموقع أعمال و دراسات الأديب الدكتور نجيب الكيلاني رائد الأدب الإسلامي الحديث. تقديرا منا لأعماله الفكرية و الأدبية، و لتعرفه الأجيال الصاعدة.

الخميس، 12 مارس، 2015

هدية زوار المدونة: مجموعة ضخمة من أعمال الأديب الدكتور نجيب الكيلاني


           https://archive.org/details/dr.najeeb.al.keelany


        مجموعة من روائع الروايات الإسلامية للأديب الدكتور نجيب الكيلاني:

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - أرض الأنبياء
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/09dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - أميرة الجبل
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/10dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - أهل الحميدية
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/11dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - إعترافات عبدالمتجلي
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/12dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - الرايات السوداء
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/13dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - الرجل الذي آمن
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/14dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - الظل الاسود
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/15dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - الكابوس وقصص أخرى
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/16dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - المجتمع المريض
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/17dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - النداء الخالد
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/18dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - امرأة عبدالمتجلي
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/19dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - تحت راية الإسلام
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/20dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - دم لفطير صهيون
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/21dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - دموع الأمير
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/22dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - رجال وذئاب
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/23dnak.pdf

  • جيب الكيلاني - روايات إسلامية - رحلة الى الله
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/24dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - رمضان حبيبي
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/25dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - سراييفو حبيبتى
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/26dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - عذراء جاكرتا
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/27dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - عمالقة الشمال
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/28dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - عمر يظهر فى القدس
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/29dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - قاتل حمزة
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/30dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - ليالي السهاد
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/31dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - ليالي تركستان
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/32dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - ليل وقضبان
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/33dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - مملكة البلعوطي
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/34dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - مواكب الأحرار
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/35dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - نهاية طاغية
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/36dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - نور الله - الجزء 1
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/37dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - روايات إسلامية - حارة اليهود - دم لفطير صهيون
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/40dnak.pdf


     كتب أخرى منوعة للدكتور نجيب الكيلاني: 



  • نجيب الكيلاني - أعداء الإسلامية
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/03dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - إقبال الشاعر الثائر
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/04dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - التثقيف الصحي للطلاب وافراد المجتمع
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/05dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - الصوم والصحة
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/06dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - الغذاء والصحة
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/07dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - حول الدين والدولة
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/08dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - في رحاب الطب النبوي
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/38dnak.pdf

  • نجيب الكيلاني - نحن والإسلام
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/39dnak.pdf

      كتب نقدية لأعمال الدكتور نجيب الكيلاني:

  • الاتجاه الاسلامي في اعمال نجيب الكيلاني القصصية
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/01dnak.pdf

  • الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني
  • https://archive.org/download/dr.najeeb.al.keelany/02dnak.pdf

الأربعاء، 11 مارس، 2015

حتى لا ننسى نجيب الكيلانى فى ذكراه العشرين بقلم/ أبوالحسن الجمال

     اليوم يوافق الذكرى العشرون لرحيل الأديب الكبير نجيب الكيلانى الذى أفنى حياته فى سبيل التنظير للأدب الإسلامى الممتد فى جذور التربية المصرية والذى ينتمى لثقافة عمرت على أرض الوادى قرابة 1400عام، وقد تعرض الكيلانى خلال هذه الرحلة للعديد من المضايقات والمطارادات والسجن والتعذيب، ومع ذلك لم يفت فى عضد هذا الرجل الصلب المدافع عن فكرته ومبادئه وأطروحاته، وما هى إلإ سنوات حتى ذاعت فكرته، وتلقفها الناس فى كل مكان وأصبح الأدب الإسلامى هو المأوى لكثير من الأدباء والنقاد..

 وقد أهملت الدولة عبر مؤسساتها الثقافية الاهتمام بذكرى نجيب الكيلانى، لأن هذه الهيئات يسيطر عليها تيار يسارى يكره الفكرة الإسلامية والإسلام ويقصى كل من يقترب منها، علماً بأنه طبقت شهرته الآفاق خارج مصر فى الدول العربية والإسلامية.. فقد أجريت حوله الدراسات والأطروحات الجامعية التى تناولت أدبه وفكره، لأنه جعل عالمه الإسلام الذى يدعو إلى الوحدة والاعتصام بحبل الله، وقد تخطى حدود وطنه ومشكلاته وهموم إلى هموم العالم الإسلامى .. فتحدث عن هموم المسلمين فى كل مكان من خلال الرواية والقصة والمسرحية الإسلامية ..فتناول مشكلاتهم فى نيجيريا من خلال رواية "عمالقة الشمال"، ومشكلاتهم فى أواسط آسيا فى روايته "ليالى تركستان"، ومشكلاتهم فى أندونسيا فى رواية "عذراء جاكرتا"، وفى أثيوبيا فى رواية "الظل الأسود"، وآخر أعماله "سراييفو حبييتى" وفيها يتعرض لمشكلات المسلمين فى البوسنة والهرسك الذين كانوا يتعرضون لتطهير عرقى من قبل الصرب "خنازير أوروبا" بمساندة المجتمع الدولى من خلال من منظماته كالأمم المتحدة ومجلس الأمن الذى بارك هذه المجازر الصليبية الرهيبة.. 

  وقد ولد الدكتور نجيب الكيلانى في أول يونيو عام 1931م بقرية شرشابه مركز زفتى بمحافظة الغربية، فى أسرة متوسطة تحدث عنه باستفاضة فى مذكراته، وتحدث فيها عن قريته شرشابة وأنماط السكان والشرائح الاجتماعية فيها كما تعداها إلى القرى المحيطة بها كقرية سنباط وميت بدر حلاوة وغيرها، وفي سن الرابعة أدخل مكتب تحفيظ القرآن، حيث تعلم القراءة والكتابة والحساب وقدراً من الأحاديث النبوية وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وقصص الأنبياء وقصص القرآن، التحق بالمدرسة الأولية، وسهل عليه هذا كلها استيعاب المعارف عندما ثم انتقل إلى مدرسة الإرسالية الأمريكية الابتدائية بقرية سنباط التي تبعد عن قريته خمسة كيلو مترات كان يقطعها مشياً على الأقدام ذهاباً وإياباً، وكان هذا الزاد مصلا ضد الفكار المارقة التى كانت تسود التعليم فى هذا الوقت من التركيز على اسوء ما عند الغرب من معلومات وافكار.. نشأ في أسرة تعمل بالزراعة، وكان منذ صغره يمارس العمل مع أبناء الأسرة في الحقول. وقضى المرحلة الثانوية في مدينة طنطا عاصمة محافظة الغربية، ثم التحق بكلية طب القصر العيني (جامعة القاهرة) عام 1951، وفي السنة الرابعة بالكلية، وبالتحديد سنة 1955قدم للمحاكمة في إحدى القضايا السياسية وحكم عليه بالسجن عشر سنوات، وفي تلك الفترة جمع ديوانه الشعري الأول "أغاني الغرباء"، وكذلك كتب رواياته الأولى الطريق الطويل داخل السجن ..كتبها فى ثلاثة اسابيع وقدمها إلى مسابقة أجرتها وزارة التربية والتعليم وفاز بالمركز الأول عام 1957، والعجيب أنهم سمحوا له بالخروج من السجن ليتسلم الجائزة التى قررتها وزارة التربية والتعليم على الصف الثانى الثانوى سنة 1959 بعد أن قدم لها الوزير اللامع الوطنى فتحى رضوان.

  وبعد تخرجه عمل بوظيفة "طبيب امتياز" في مستشفى أم المصريين بالجيزة عام 1961 م, ثم طبيباً ممارساً بقريته شرشابة ثم انتقل ليعمل في وزارة النقل والمواصلات, وتسلم عمله في القسم الطبي بهيئة السكك الحديدية, ثم سافر إلي دولة الكويت ليعمل طبيباً هناك, وذلك في اليوم الحادي والثلاثين من شهر مارس 1968 م, ثم انتقل منها إلي دولة الإمارات العربية, وقضى بها ما يقرب من ستة عشر عاما.

 التنظير للأدب الإسلامى:

  يعرف الدكتور جابر قميحة الأدب الإسلامى بأنه "الأدب الشعري والنثري الذي يلتزم القيم الإنسانية ويعمل على خلق بناء قويٍّ متين يُراعي هذه القيم في مجال السياسة والاجتماع والتربية وغير ذلك، وهذا تعريف إيجابي، وهناك ما نستطيع أن نسميه بالتعريف السلبي أو" التعريف الرافض" والمقصود به الأدب الذي يرفض في قوة كلَّ ما يخالف القيم الإسلامية والإنسانية".

  وقد جمع الدكتور نجيب الكيلاني بين التنظير والتطبيق، للأدب الإسلامى فلم يغفل القياسً على المذاهب الفنية الأخرى، مثل الكلاسيكية والرومانسية ، وله من رواياته ونظرياته خمسة كتب كاملة عن مفهوم الأدب الإسلامي ، منها : "المدخل إلى الأدب الإسلامي" و"الإسلامية والمذاهب الأدبية" وغيرهما، وفيها يوضح علاقة الأدب بالدين، ومفهوم الالتزام الإسلامي والمقارنة بين المذهب الإسلامي وغيره.

  وتحدث الكيلانى عن الأدب الإسلامى قائلاً: "من حسن الحظ أن الإسلام لم يحدد (شكلاً) فنياً معيناً يلزمنا به، بحيث ندور في إطاره، فلا نتعدى رسومه، وإنما حدود الإسلام (المضمون) أو الفكر الذي يتناوله الفنان في الشكل الذي يختاره. فالإسلام يختلف عن غيره من الفلسفات الإنسانية، فمن الفلاسفة من يرى أن الإنسان طبيعته الشر، وأن الأصل في الحياة الكذب والنفاق والجبن، ومن الفلاسفة من يرى أن الفن غاية في حد ذاته وليس وسيلة لبلوغ أي هدف، وهم دعاة "الفن للفن". أما الفنان المسلم فله فهمه الشامل للحياة والإنسان، وله إيمانه بأن الفن وسيلة لبلوغ غاية عظمى، ألا وهي تكوين (الوجدان) المشبع بروح الحق والخير والحب.. والفن الإسلامي لا يختار نماذجه من أمثلة الخير والحب والفضيلة وحدها، بل يقدم شتى النماذج خيَّرها وشريرها، عاليها وسافلها، وإلا انعدمت الحركة الفنية، والصراع النفسي، إنها معاناة أصيلة نابضة، تبعث في نفسه لوناً من ألوان (القلق) العظيم، وتحرمه الإخلاد للكسل والسلبية والأنانية.. وهذا هو الفن العظيم. وعالم الأدب والفن الإسلامي علم فسيح رحب، يستوعب التجارب الأسطورية والتاريخية والواقعية المعاصرة، ويجول في أنحاء الشرق والغرب، ويبرز التجارب المحلية والعالمية، ويرتبط بقضايا المسلمين في شتى أنحاء المعمورة خاصة. أدب معقول.. وأدب مرفوض"..

  وتمير أدب نجيب الكيلاني- دون مغالاةٍ- عن غيره من المعاصرين بأنه أدبٌ متميزٌ من ناحية، وفائقٌ من ناحية أخرى، فهو يتفرد بسلامة اللغة، وهي مهمة؛ لأن اللغة هي عِرْض الأمة الدالّ على هويتها، ولا هوية لمن لا عرض له، وبراعة التصوير، وهو في منهجه التصويري يكاد يقترب من الواقع ، فهو في تصويره لا يجنح إلى الصور الشاردة والخيال المسرف المحلق بلا معقولية، أي نستطيع أن نقول إن منهجَه التصويري هو المنهج الوسطي بين المثالية الخيالية والرومانسية العقلانية، وقوة الوجدان أو الطاقه الروحية، وهو مع ذلك يجنح إلى الوسطية، فلا نعثُر له على عاطفة ملتهبة ووجدان متوهِّج، ولكنها ــ كما قلت سابقًا ــ الوسطية والمعقولية، وهو منهج لا يعيب صاحبه، بل يقف في صفِّه؛ لأن المهم أن يكون المبدع مخلصًا في منهجه ولمنهجه، بعيدًا عن الشطط والإسراف .والتماسك والتلاحم في صدقٍ بين عناصر الإبداع الفني مما يقرِّب إبداعَه من المنهج التكاملي في الفن.وقوة العقيدة، وهذا ما تعنيه بسؤالك عن تأثير الفكرة الإسلامية على أدبه، فكان هذا هو الجانب الذي ينهل منه أي من عقيدته ودينه؛ ليصبَّ في النهاية في أدبه ويجعله على رأس قائمة الأدباء الإسلاميين.

  وقد كتب الكيلاني في عدد من الدوريات, وقد تنوعت هذه الكتابات, بين المقال الأدبي, والفكري, والقصة القصيرة, والشعر, وقد نُشرت أعمال الكيلاني في المجلات الآتية:الأدب, والثقافة, والاعتصام, والقصة القصيرة, والأمة القطرية, والمجتمع الكويتية, والاتحاد ومنار الإسلام بالإمارات, والمنهل السعودية والشهاب البيروتية, والمختار الإسلامي, وجريدة المسلمون, والكواكب, وغيرهما كثير.

 نجيب الكيلانى روائياً:

قدم الدكتور نجيب الكيلانى عددا كبيرا من الروايات والقصص القصيرة وهى غالبا محمومة بالتصوُّر الإسلامي وصادرة عنه، ومن خلال هذا الإنتاج القصصي الغزير استطاع أن يقدِّم النموذج الإسلامي في الرواية والقصة ويرى الدكتور حلمى محمد القاعود أن إنتاجه مر بأربع مراحل او مستويات:

أولها ويمثِّل "الرّواية الرومانسية"، ويضم العديد من رواياته، وقد عبّر من خلالها عن هموم النَّاس والعلل الاجتماعية المتفشية بينهم، مثل الفقر والجهل والأمراض المتوطنة والسلبية والتخلف، ومزج ذلك بالعواطف المشبوبة والخيالات الحالمة والآمال المجنِّحة، ويمكن أن نرى أمثلة على ذلك من رواياته: "الطريق الطويل"، و"الربيع العاصف"، و"الذين يحترقون"، و"في الظلام"، و"عذراء القرية"، و"حمامة سلام"، و"طلائع الفجر"، و"ابتسامة في قلب الشيطان"، و"ليل العبيد"، ,"حكاية جاد الله"..
وثانيها ويمثِّل "الرواية التاريخية"، التي تستلهم السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بصفة عامة، وقد استدعى التاريخ واستلهمه ليقدِّم النماذج الإنسانية المشرفة من حضارتنا، ويرصد جهاد الآباء في شتى جوانب الحياة، دفاعاً عن الدّين وسعياً لتأسيس مجد غير مسبوق، وفي بعض الأحيان كان يستدعي التاريخ ليعالج من خلاله قضايا راهنة أصابت الأمَّة بالإحباط واليأس، ويوقظ به الأمل في نفوس الأجيال الجديدة عن طريق إحياء الهمَّة وبعث العزيمة والإصرار، وفي كل الأحوال فإنَّ استلهام التاريخ في الرّواية عند "نجيب الكيلاني"، كان إبرازاً لمعطيات الإسلام العظمية، وإمكاناته الهائلة في تحويل الإنسان المسلم إلى صانع حضارة وباني مجدٍ وجندي ظافر في معاركه ضد الشرّ والتوحُّش، ويمكن أن نجد عدداً كبيراً من رواياته التي عبَّرت عن ذلك، مثل: "نور الله"، و"قاتل حمزة"، و"أرض الأنبياء"، و"دم لفطير صهيون"، و"مواكب الأحرار" (أو نابليون في الأزهر)، و"اليوم الموعود"، و"النداء الخالد"، و"أرض الأشواق"، و"رأس الشيطان"، و"عمر يظهر في القدس".

  وثالث هذه المراحل ويمثِّل الرواية التي يمكن أن نسميها بـ"الرواية الاستشرافية" التي عبَّر فيها عن هموم المسلمين خارج حدود العالم العربي (دول آسيا الوسطى التي كانت أو ما زالت تحت الستار الحديدي الشيوعي من الاتحاد السوفييتي والصين-إثيوبيا- إندونيسيا- نيجيريا)، واستطاع أن يكشف للعالم مأساة داميةً أصابت ملايين المسلمين المنسيين الذين لا يتحدَّث عنهم أحد إلاَّ نادراً، ولا يعرف عنهم المسلمون في العالم العربي إلاَّ القليل، وفي الوقت ذاته توقَّع انتصارهم وتحرّرهم، وهو ما حدث بالفعل في أكثر من مكان وبخاصة في الدول الإسلامية التي استقلَّت أو تحاول الاستقلال بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وتعدّ رواياته: "ليالي تركستان"، و"الظل الأسود"، و"عذراء جاكرتا"، و"عمالقة الشمال"، من أشهر رواياته في هذا الإطار.

 ورابعها ويمثِّل الرواية عند نجيب الكيلاني في المرحلة الراهنة، وهي التي نُطلق عليها "الواقعية الإسلامية"، ويعبِّر فيها عن القضايا الاجتماعية التي تهمّ جموع المستضعفين في الوطن، ويبرز فيها ما يلقاه النَّاس من ظلمٍ وقهرٍ واضطهاد، ويتخذ من تفاصيل الحياة اليومية والاجتماعية عناصر أساسية يرتكز عليها في بناء هذه الروايات، وأيضاً فإنَّه يطرح عبر سطورها رؤية الجيل الجديد للأحداث، وموقفه من قضايا الحرية والعدل والأمن والرخاء والمستقبل، وتُعدُّ روايات الأربع أو رباعيته التي أنتجها على مدى عامين تقريباً، ونشرت على مدى شهورٍ متقاربة ـ وهي: "اعترافات عبدالمتجلي"، و"امرأة عبدالمتجلي"، و"قضية أبو الفتوح الشرقاوي"، و"ملكة العنب" ـ من أفضل النماذج وأبرزها في الدلالة على هذا الإطار.

  وقد تعرض الدكتور حلمى القاعود لهذا النمط الأخير فى كتابه الأشهر "الواقعية الإسلامية فى أدب نجيب الكيلانى"، أوضح فيه أن الواقعية الإسلامية تختلف عن الواقعية الأوربية والواقعية الاشتراكية، وبين القاعود أن الواقعية الأوروبية واقعية نقدية تعنى بوصف التجربة كما هي، حتى لو كانت تدعو إلى تشاؤم عميق لا أمل فيه، في حين تحتّم الواقعية الإسلامية أن يثبت الكاتب في تصويره للشرّ دواعي الأمل في التخلُّص منه فتحاً لمنافذ التفاؤل حتى في أحلك المواقف، ولو أدَّى إلى تحريف الموقف بعض الشيء. أمَّا الواقعية الإسلامية، فإنَّها ـ مع انتقادها للواقع ـ تنطلق في انتقادها من التصوُّر الإسلامي الذي يكون دائماً منصفاً، فلا يبالغ ولا يهوّل، أيضاً لا يتحامل بسبب المغايرة في الانتماء، ولا يحبِّذ الصراع بين الطبقات كما يبتغي الواقعيون الاشتراكيون، فضلاً عن أنَّ الأمل في الواقعية الإسلامية، هو أمل إيماني يقوم على أساس نُصرة الحقِّ في كل الأحوال، حياة وموتاً. إنَّها باختصار ترفض التشاؤم كما ترفض التفاؤل الذي يقوم على الخداع أو التزييف، ثم إنَّها تستقي مادتها من الحياة الاجتماعية، ومشكلات العصر على إطلاقها، وتختار شخوصها من عامة المجتمع وجميع طبقاته؛ لأنَّها تعتقد بأنَّ الخيرَ والشرَّ ليسا قاصرين على طبقة بعينها، ولكنَّهما موجودان في النفس البشرية، ايّاً كانت طبقتها أو انتماؤها الطبقي، وأنَّ الإنسان يمكن أن يكون خيِّراً أو شرّيراً ِوفقاً لاختياره، وعوامل أخرى مؤثِّرة في هذا الاختيار من قبيل التربية والتوجيه والقدوة والظروف المحيطة...إلخ، لذا؛ فإنَّ الطبقة ليست هي العنصر الحاسم في الصراع بين الخير والشرِّ، وإنَّما الإرادة الفردية ومكوناتها.. وهو ما يتسق مع التصوُّر الإسلامي:}فَألهمها فُجُورها وتقواها*قد أفلحَ مَنْ زَكَّاها*وقد خَاْبَ مَنْ دَسّاهَا{[سورة الشمس: 9،8].

 فارس الجوائز: 

 على مدار مشواره الطويل فاز نجيب الكيلانى بالعديد من الجوائز التى تقدره ..فقد كانت الهيئات الثقافية فى هذا الوقت لم تتلوث مثلما هو الحادث الآن حيث تعانى اليوم من عنصرية بغيضة تجاه الآخرين ممن ليسوا على شاكلة الماركسيين الذين يتحكمون فى كل شىء فى الإعلام ويدعون إلى قتل وإبادة الآخرين والتحريض عليهم طوال الوقت، أما أيامه فكنت ترى الشرقاوى الشيوعى يجلس مع السحار دون أدنى حساسية وعندما يلتقيان يتعانقان، أما اليوم فنجد النخبة المصرية تدعو إلى الإبادة والتطهير العرقى لخصومهم ومخاليفهم،وقد كتب روايته الأولى "الطريق الطويل" التي فازت بجائزة وزارة التربية، ونشرتها وزارة الثقافة والإرشاد آنذاك، وقدمها له وزيرها المرحوم فتحي رضوان، ثم قررت على الصف الثانى الثانوي في عام 1959، وفي المسابقة نفسها فاز بجائزة التراجم والسير عن كتابه "إقبال الشاعر الثائر" 1957، وفي عام 1958 فاز مرة أخرى بعدد من جوائز وزارة التربية والتعليم، ففي مجال الدراسات النفسية والاجتماعية فاز كتابه "المجتمع المريض" وهو دراسة متميزة عن مجتمع السجون، وفي مجال التراجم والسير فاز كتابه "شوقي في ركب الخالدين"، وفي مجال الرواية فازت قصته "في الظلام" كما فاز بجائزة مجلة الشبان المسلمين في مسابقة القصة القصيرة التي أعلن عنها عام 1957، وكانت جائزة خمسة جنيهات مصرية كاملة في عام 1959 فاز بجائزة القصة القصيرة لنادي القصة القصيرة "اتحاد الكتاب" والميدالية الذهبية المهداة من الدكتور طه حسين، كما فاز في العام التالي بجائزة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والأدب عن روايته "اليوم الموعود" والتي قررت على طلبة المرحلة الثانوية عام 1960، وأخرجت مسلسلاً إذاعياً 1973 بإذاعة الكويت، وقد أعدت كمسلسل تلفزيوني (إنتاج ليبي مشترك) لتعرض في شهر رمضان 1414هـ تحت اسم "ياقوته ملحمة الحب والسلام"، والرواية تدور أحداثها حول الحروب الصليبية أيام الملكة شجرة الدر، ونال جائزة مجمع اللغة العربية في أوائل السبعينات عن روايته "قاتل حمزة" التي تعرض قضية الحرية عرضاً درامياً من خلال التصور الإسلامي، وحولت روايته "ليل وقضبان" إلى فيلم سينمائي، وقد نال الفيلم الجائزة الأولى في مهرجان "طشقند" الدولي، ونال ميدالية العلامة الفيلسوف الشاعر محمد إقبال الذهبية، مهداة من الرئيس الشهيد ضياء الحق، في الذكرى المئوية للشاعر بسبب كتاباته الكثيرة عن هذا المفكر الإسلامي الكبير الذي دعا إلى إنشاء دولة باكستان، ومن أهم منجزاته الدعوة إلى قيام أدب إسلامي منذ أواخر الخمسينات، في إطار من الإدراك الواعي، والفهم المستنير، لماهية هذا الأدب ورسالته وأهدافه البناءة، في خدمة الأمة الإسلامية والعالم أجمع، دون تعصب أو جمود، مع الحفاظ على القيم الجمالية والإنسانية الصحيحة التي نادى بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد أصدر في هذا المجال عدداً من الكتب النظرية (ثمانية كتب) وعدداً من الإبداعات الفنية التطبيقية في الرواية والقصة والشعر، وشارك بصورة أساسية فعالة في مؤتمرات الأدب الإسلامي التي عقدت في المملكة العربية السعودية كما شارك في العديد من الندوات والمحاضرات حول هذا الموضوع طوال الربع قرن الماضي.

  وراء كل عظيم امرأة:

  تزوج الدكتور نجيب بالأديبة كريمة شاهين ابنه الشيخ محمود شاهين أحد علماء الأزهر الأجلاء، وقد تزوجا فى عام 1960وانجبا أربع من الأبناء وقد بارك الله فيهم ووصلوا إلى درجات علمية رفيعة، بفضل التربية المثالية، وقد تعرف إلى اسرة زوجته فى وقت مبكر فى منتصف الخمسينيات، وقد ساعدته الزوجة قبل ان يتزوجا بان بيضت مسودة بحثه عن (إقبال الشاعر الثائر) بأن بيضت هذا البحث ونسخته منه نسختين وقدمته إلى وزارة التربية والتعليم قسم التراجم ومن حسن الطالع أن فاز البحث بالمركز الأول وفرحت كريمة التى كانت فى الصف الأول الثانوى فى هذا التوقيت وذهبت إلى السجن وبشرته بالفوز، وكان هذا حافزا لخطبتها بعد خروجه من السجن وتزوجا فى العام 1960كما أشرنا .

  وقد وفرت له الزوجة الحنان المغدق والجو الهادىء ونظمت له المواعيد وكانت تراجع له كتبه ورواياته ومقالاته وتنسخها على الآله الكاتبة التى تعلمتها فى ثلاثة ايام من زميلة لها وفى هذا تقول : " كان يكتب ولا يراجع فكنت أقوم بالمراجعة وراءه وأكتب ما يسطره على الآلة الكاتبة ، وأفعل ما أستطيع لأوفر له الجو المناسب للكتابة فلا صوت يعلو ولا ضوضاء حوله حتى الحلاق كنت أستدعيه ليحلق له في البيت وحرصا على وقته كنت آخذ حذاءه وأشتري له مثله وكذلك بدله وقمصانه وملابسه ، كما كنت أقود له السيارة بنفسي في دبي ويراني الدكتور مصطفى محمود صاحب برنامج " العلم والإيمان " الشهير ، فيتعجب ويقول لنجيب "إيه ده يا نجيب" فيرد عليه: حاولت يا دكتور مصطفى فشرد ذهني وطلعت على الرصيف. وكنت أعتبر نفسي سكرتيرته الخاصة أدون يوميا أجندته ومتطلبات أعماله فضلا عن تهيأة البيت لضيوفه وزواره وكنت أقول له إذا أردت أن تعزم أحدا على الغداء يكفيني أن تتصل بي قبل الغداء بساعتين فيفعل ويأتي وضيوفه فيجدوا ما لذ وطاب من الطعام فيقول لي بعد أن ينصرفوا أنت حقا اسم على مسمى."

  وقد خلدت الزوجة الأديبة ذكره، وكتبت عنه العديد من الأبحاث والكتب منها: "آخر حوار مع نجيب الكيلاني" و" نجيب الكيلاني كما عرفته" و"الامارات في أدب نجيب الكيلاني. "

  النهاية: 

 عاد الدكتور فى مصر بعد أن أمضى فى الغربة 24 عاما وعاد إلى مسقط رأسه الذى لم يفارقه على الإطلاق وقد كان مسرحاً للعديد من رواياته وقصصه ومسرحياته، عاد ليخوض معركته الأخيرة مع مرض سرطان البنكرياس, الذي لم يستمر معه أكثر من ستة أشهر, وكان طوال هذه الفترة صابراً محتسباً، وكان لا يشعر أحد ممن حوله بمعاناته، وكان أمله في الله قوياً جداً حتى آخر لحظة، وقد كان مستعداً للقاء الله راضياً بقضائه، ذاكراً لله في كل لحظة حتى آخر رمق في حياته، وكان يرتل القرآن في غيبوبته. وقد لقي بعدها ربه بعد عيد الفطر المبارك بيوم واحد, في شوال 1415 هـ – مارس 1995م

  قالوا عنه:

قال نجيب محفوظ في مجلة المصور عدد أكتوبر عام 1989: "إن نجيب الكيلاني هو منظّر الأدب الإسلامي الآن"؛ ذلك لأن مقولاته النقدية، وأعماله الروائية والقصصية تشكل ملامح نظرية أدبية لها حجمها وشواهدها القوية، التي عززتها دراساته حول "آفاق الأدب الإسلامي" و"الإسلامية والمذاهب الأدبية"، و"الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق" و"مدخل إلى الأدب الإسلامي"، و"تجربتي الذاتية في القصة الإسلامية".

د. جابر قميحة: "الكيلاني لديه إحساس عميق بتكثيف الجمال الفني المرتبط بالغموض أحيانًا في بعض أعماله، إلا أنه لا ينسى مسئوليته تجاه القارئ، وخوفه من أن يقع في براثن الفهم الخاطئ، فتراه في كل أعماله ينبض بخيوط الوعي المتيقظ، التي تجعل من كتاباته الروائية متعة خاصة وقتًا مكتملاً. كما استطاع الكيلاني ـ رحمة الله ـ أن يوظف كثيرًا من آليات الفن القصصي في شعره، فاستخدم الرمز والقناع والحوار والسرد والتعبير المتلاحق، والارتداد (بالإنكليزية: flashback) (تذكّر الماضي والرجوع للوراء) والمفارقة، واللقطات المقتطعة من خلال الأشكال والمضامين التعبيرية المتفردة".

صلاح عدس: "رائد القصة الإسلامية تنظيرا أو تطبيقا ..كتب كماً هائلاً التى تتناول الفكرة الإسلامية فى مضمونها وموضاعاتها ..أما بالنسبة للمضمون فيصور فيها الرؤية الإسلامية لله والكون والإنسان والحياة ..أما بالنسبة لموضوعاتها فتصور حياة المسلمين فى كل أرجاء العالم الإسلامى ومعاناتهم وأشواقهم الروحية فهو بذلك رائد للرواية الإسلامية وربما لهذا السبب لم يلق الاهتمام الكافى والتقدير الذى يستحقه لأن الذين سيطروا على الإعلام والثقافة طوال ستين عاماً كانوا حفنة من أدعياء العلمانية والماركسية الذين طبلوا وهللوا وزمروا لشلتهم من أمثال يوسف إدريس ونجيب محفوظ ممن كتبوا على طريقة الواقعية الاشتراكية أو الواقعية المخزية وهى التى يطلقون عليها فى الغرب "الطبيعية" التى تبرز العرى والشذوذ والانحراف وتمتلىء بالمخمورين والسكارى والعاهرات . ولقد التقيت به مرة فى مطلع حياتى منذ 55 عاما وبالتحديد سنة 1960وكنت وقتها طالبا فى كلية الطب واسعى للتعرف إلى الأعلام والشوامخ فى الأدب والفكر والثقافة واشتكى لى من اضطهاده المستمر من قبل الإعلام والصحافة والنقاد الذين يبرزون من يخاصم الفكرة الإسلامية.. ".

د. حلمي محمد القاعود: "نجيب الكيلاني كان فريدًا في فك الفضاءات المكانية والمجالات الزمانية في أعماله عبر احترافه وحفاوته بالتحليل الدقيق والمنمنمات، واستطاع أن يملأ الساحة بالبديل الصحيح؛ حيث يعتبر أغزر الكتاب إنتاجًا على الإطلاق، بينما يأتي "نجيب محفوظ" والسحار في المرتبة الثانية من حيث الكم!"

د. محمد حسن عبد الله: "كل إنتاج الكيلاني ذو هادفية مؤمنة، وعمق وشفافية متصوفة تبدو كومض الخاطر بين السطور، وهو جاد وعميق ومؤثر، ومتصل أوثق الاتصال بروح هذا الشعب، ويملك التأثير في حياة قومه التي كان واحدًا من أفذاذها المتفردين."


الثلاثاء، 18 مارس، 2014

ندوة الأحد د نجيب الكيلاني

 

ندوة الأحد د نجيب الكيلاني 3 3 1408 هـ



الجمعة، 8 مارس، 2013

قرأت لك: نجيب الكيلاني .. سيرته بقلمه (أبو زيد المقرئ الإدريسي)

تقديم

حاولت أن أبقي على تعابير صاحب العرض، أخي الأستاذ المقرئ الأدريسي أبي زيد ماوسع ذلك الإمكان، لأني وجدتها تعابير صادقة وكاشفة، تحكي عن حياة رجل ندب نفسه لخدمة الدعوة في سبيل الله في أكثر من ميدان، وعلى رأس هذا الميدان الطب والكتابة وقد وجدت حديث الأستاذ المقرئ حديث من عرف نجيب الكيلاني حق المعرفة فقدره قدره، وكأنه كان يعيش معه حياته لمحة لمحة...ووفاه شيئا من الجميل والعرفان بأنه قدمه من خلال هذه المحاضرة التي سأتشرف بإعدادها وتقديمها للقراء تقديما يليق بها قدمت يداه من صالح الأعمال التي نسأل الله عزوجل أن يجعلها ذخرا وشفيعا للفقيد الكيلاني يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم.
وأشير الى أن ماكان لي من تدخل في نص العرض،إنما دعت إليه الضرورة اللغوية، كتنسيق العبارات بالتقديم أو التأخير، وحذف التكرار الشفوي أحيانا ، وربط بعض الجمل بما ينسجم معها داخل الفقرة، وإضافة بعض الروابط المعجمية والكلمات التي يحتاجها السياق والتي كان السرد الشفوي يتجاوزها من حين لآخر، وقد وجدت الأستاذ المقرئ سعى سعيا مشكورا في إنتاج ترجمة لحياة الراحل نجيب الكيلاني، في الوقت الذي تجاهلت كتب الأدب الحديث أن تؤرخ في مظانها لهذا العلم وأمثاله في الدرب من أعلام الأدب الإسلامي .

عرض المداخلة

1- قبلت المشاركة في هذه الندوة وفاء لروح الفقيد الكيلاني. وسيكون حديثي عبارة عن إشارات تتعلق بحياة الكيلاني من خلال قلمه وليس من خلال حياته المنفصلة عن هذا القلم لأنها حياة بسيطة وعادية، ولا تثير أي نوع من الإثارة مثلما تثيره الشخصيات الدرامية التي نعرفها في عالم السياسة والدعوة، وبإستثناء عشر سنوات من عمره، تنقسم إلى مرحلتين، من السجن، فليس في حياة نجيب الكلاني الخاصة ما يثير، ولكن حياة القلم عنده: القلم الإبداعي والقلم الفكري والقلم الدعوي والقلم النقدي تمثل حياة حافلة بالنشاط في ميدان الأدب والفكر والدعوة...فهو يشكل بقلمه أمة وحده.

2- ولد نجيب الكلاني يوم فاتح يونيو من سنة 1931 بقرية "شرشابة" التابعة لمركز "زفتي" في محافظة الغربية بجمهورية مصر العربية، تخرج من كلية الطب بجامعة القاهرة طبيبا ممارسا، انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين، واعتقل مرتتن:الأولى عام 1954 وأفرج عنه سنة 1958، والثانية عام 1965 وأفرج عنه سنة1969، وسافر بعد ذلك إلى الخليج، فعمل طبيبا في أول الأمر في دولة الكويت، وثانيا في دولة الإمارات العربية، ثم تقلب في مجموعة من المناصب المتعلقة بمهنته كطبيب، كان أهمها أنه قضى عشر سنوات كاملة مستشارا أول لوزير الصحة بالإمارات العربية، وكان لهذا المنصب أثر بالغ ودور كبير في تحسين التأطير الصحي بهذا البلد، ثم وصل بعد ذلك إلى منصب مدير الثتقيف الصحي بوزارة الصحة، وهذه الفترة هي التي عرفت كتاباته الطبية الناضجة، ولما أحيل على المعاش سنة1992 عاد إلى مصر بعد غربة تجاوزت ثلاثا وعشرين سنة، وتوفي بالقاهرة في مارس من سنة 1995.

3- العلامة البارزة المسجلة على موته ـرحمه الله ـ هي الصمت الرهيب والتواطؤ الكامل على عدم التعريف بالرجل من خلال آخر حدث في حياته، وهو وفاته، حتى المفكرون والأدباء والسياسيون المغبونون لم يستثمروا هذا الحدث وهو آخر ما يمكن أن يحرمه شخص متميز مثل نجيب الكلاني، أن يغبن حتى في التعريف بعد موته، فقد جرت عادة الأمة المتخلفة ألا تقدر رجالاتها إلا إذا صاروا إلى التراب وأمنت منهم في هدأة القبور.
وقد تواطأ التآمر الإعلامي والثقافي والسياسي في مصر وغيرها على أن يحرم نجيب الكيلاني حتى في هذه اللحظة الوحيدة من حياته، لحظة أن يغادرة هذه الدنيا لكي تنزاح عن أعدائه إحساسات المزاحمة ليبدأ شيء من السعة، التي تكون في قلوب الأحياء تجاه الأموات...هذا الصمت الرهيب هو الذي جعل ثلة من الأدباء المغاربة يحاولون جهدالمستطاع تغطية هذا الحدث وذلك بعقد مثل هذه الندوات المباركة، وفاء بحق هذا الرجل الذي أعطى الشيئ الكثير للأدب والدعوة. وقد نهض هؤلاء الإخوة - مشكورين - ينوبون في أقصى المغرب عن هذا الصمت المطبق في أقصى الشرق ووسطه، فلو أن مغنيا يهوديا مات في مصر أو غيرها، لضجت وسائل الإعلام وأبواقه الرسمية والشعبية منها، والتقليدية كالصحف والعصرية كالتلفزيون والفيديو للتعريف به، ولكن واحد من قيادات الإخوان المسلمين الفكرية، وواحد من أبرز رموزها الذي أعتقل في فترتين، فلذلك جهل عليه حتى في وفاته.
ولا أظن - بطبيعة الحال - نجيب الكلاني يتملل في قبره - رحمه الله - لهذا، فهو الذي عاش هذا الإعراض بصدره الرحب في حياته، وضل يعيش المفارقة التي عاشها قبله أحمد با كثير، وبعده إلى اليوم، عماد الدين خليل، مفارقة أن يكون له جمهور ضخم، وإنتاج كبير ومتنوع ثم لا يكون له أثر في المجال الرسمي، لا في الإعلام ولا في التعليم ولا في الأبحاث الجامعية، ألا يكون طبيعيا أن يحصل هذا مع رجل أصر على التميز في دولة كانت لها سلطة الثقافة أبشع وأقوى ماتكون ومخلبها أحد من سلطة السياسة، فما كان يمارسه الإشتراكيون على عهد عبد الناصر من سطو على الثقافة المصرية بما فيها الإبداع والنقد عبر إحتكار وسائل الإعلام بأمر من "خورتشوف" الذي إشترط ذلك قبل أن تطأ قده في الستينات أرض مصر، لكي يدشن السيد العالي الذي موله، إشترط على عبد الناصر أن يخرجهم من السجن إلى أعلى منابر الإعلام . ويمكن لأحدنا أن يقرأ - في هذا الصدد" حبل لغسيل" لعلي أحمد باكثير، فيعرف من خلال هذا العمل الأدبي ما معنى ذالك الإحتكاروالإستباد الثقافي الذي كان سائدا على عهد عبد الناصر، ودليلي على ذلك أن واحد من النقاد المصريين هو أحمد عباس صالح سئل عن سبب تغييبه في كتاباته النقدية المشهورة لنجيب الكيلاني، وهو الذي يتابع الرواية المصرية، ويمارس التعريف بها، وتقويمها نقدا، فإذا به يجيب بكل بساطة : لأنه "إسلامستان"
وهذا ناقد و أديب و مفكر سياسي مشهور هو غالي شكري، يمارس التعتيم نفسه و القهر نفسه على كتابات علي أحمد باكثير، فلم تند من حقه كلمة منصفة إلا عندما تحدث عن ترجمة شكسبير إلى العربية ما أصعابها ... ما أصعب أن يترجم شكسبير بلغته الإنجليزية المتميزة إلى العربية ويبقى حيا بل ويبقى منظوما، فإذا به يعترف أن كل ترجما شكسبير كانت رديئة جدا، وعلى رأسها ترجمة نجل طه حسين، ويستثني فقط ترجمة على أحمد باكثير التي كانت جيدة، ومع ذالك، وفي نفس الكتاب نفسه "مذكرات ثقافية تحتضر" وبعد صفحات، وجدناه يتحدث - بكل غرابة عن المسرح الرجعي ورائده باكثير - لقد كان في باكثير عزاء لنجيب الكلاني، فذاك رحمه الله قمة أعلى - وقد سبقه إلى دار الآخرة- كما سبقه إلى دار الدنيا حظه من الغربة كحظه من التفوق...كان له عزاء فيه أن يحاصر هو أيضا كل هذا الحصار... ما معنى أن يسأل أديب مسؤول، ومثقف ومفكر سياسي : لماذا لا يتناول نجيب الكيلاني في دراسته النقدية والأدبية : فيجيب هدا الجواب الحزبي الهابط : لأنه إسلامستان...يالها من نزاهة أدبية وموضوعية نقدية تنبثق من ديمقراطية حزبية صريحة.

4- ويجيب نجيب الكيلاني - طبعا عن ذلك - في كتاباته، برفضه للمذاهب النقدية الغربية وغير الإسلامية، ويجيب كذلك بإصراره على التأصيل للمذهب الأدبي الإسلامي رغم أنه مغامرة ومخاطرة وغربة، ويجيب بإصراره على الإنتماء إلى التيار الذي لم يكن له طريق إلا طريق واحد مسدود، قعره غياهب السجون..هذا النوع من الإصرار على التمييز يقدم له المبدع والمفكر المسؤول نجيب الكيلاني بالمقابل ثمن أن يكون غريبا، وهو صاحب "ديوان الغرباء"هذا الديوان الذي يعتبر شجوا وبوحا ذاتيا أكثر منه تردادا لواقع أو لذات جماعية أو لرؤية عامة، وإن كان صدى هذه الرؤية العامة وهذه الذات الجماعية يتصادى وينطلق أساسا من هذه الذات الخاصة، التي لم تكن في يوم ما ذات نجيب الكيلاني كشخص وإنما كانت ذات نجيب الكيلاني ابن الحركة الإسلامية وابن الأمة الإسلامية المسؤول والمتابع. كانت حياة نجيب الكيلاني حافلة، فهو في حياته الشخصية الإنسان النظيف والمستقيم، وهو في حياته المهنية و العلمية المتفوق المخلص، سواء في مصر أو خارجها، وهو في حياته الإبداعية الفكرية الملتزم المتميز فلندع قلمه يؤرخ لذاته ولنفسيته ولرأيته...
1- لقد استعمل نجيب الكيلاني كل الأجناس الأدبية للتعبير عن ذاته، لكتابة سيرته الذاتية، أحيانا كامنة وأحيانا بارزة، نجيب - مثلا - في ديوان " أغاني الغرباء" وهو ديوان بطريقة متميزة من دواوينه المتعددة، التاريخ النفسي من خلال الجنس الأدبي الذي هو الشعر، نجد تاريخ السجون، وتاريخ الصمود الذي هو سلاح المؤمن في هذه السجون الرهيبة، وهو تاريخ السجون يغطي عقدا كاملا من العمر وكل يوم في غياهب السجون يعد بعام، وكل ساعة بشهر، ومن يقرأ" سراديب الشيطان" و" البوابة السوداء" "ومذابح الإخوان" يدرك حقيقة هذا الكلام ويبدو أن كل متتبع لأدبيات الإخوان الفكرية والإبداعية في ميدان السجون يعرف بأنها أدبيات بارزة و طامية، ومع ذلك فهي لا يمكن أن تفي بلحظة واحدة من لحظات المعاناة التي عاشها الإخوان المسلمون في السجون.

2- الجنس الأدبي الثاني الذي استعمله في التعبير عن ذاته هو الرواية، كتب "حكايات طبيب" وفيها يؤرخ لجانب آخر، فإذا كان للشعر يؤرخ للجانب النفسي لأنه يتوافق معه، فإنه في الرواية اختار أن يؤرخ للجانب المهني فكتب "حكايات الطبيب" وهذه المذكرات لو محيت منها اسم نجيب الكيلاني لظلت مجموعة قصصية منفصلة متداخلة في قصة كبيرة ولكن من يعرف نجيب الكيلاني يعرف سيرته، ويعرف مهنته، يدرك بأنها سيرة ذاته له هو طبيبا، وهنا أيضا يحضر السجن الذي كان ثقل دائم في إبداعه، لأنه كان له ثقل في حياته النفسية وفي حياته الزمنية حتى بالمنظور المحايد للعمر إذ نجد أن شطرا من هذه القصص في "حكايات طبيب" تتحدث عنه طبيبا في السجن: إما طبيب موظف عند الدولة بين فترتي سجنه في السجن، فقد أبوا إلا أن يسجنوه حتى إذا ما سرحوه وظفوه طبيبا في السجن وإما مسجونا يتطوع لإنقاذ حياة صحية متدهورة وهو الطبيب الماهر المتفوق في مهنته ودراسته، وهكذا قضى جزءا مهما من حياته طبيبا في السجون...
وسأحكي لكم حكايات طريفة في حياته أوردها في كتابه "لمحات من حياتي" حكى أنه كان عنده في السجن طبيب كان في الحقيقة ممرضا سمته إدارة السجن طبيبا، وكان جاهلا وفاسد الأخلاق، وكان يمهر في تعذيب الإخوان بوسيلتين: الأولى إذا ما طلب أحد الإخوان الحمية، فإنه إذ يطلب منه تقرير في الموضوع يبعث به إلى إدارة السجن يعجز عن كتابة مثل هذا التقرير لجهله ولكسله، فيرفض أن يصرفها له وكان السجناء يفضلون الحمية على أكل السجن، لأن الطعام كان رديئا جدا، ويكفي من رداءته أن السجناء كانوا يأخذون اللحم "المطبوخ" فيجدونه أصلب من الحجر وأنتن من الخنزير، وكان يغسلونه بالصابون ويفركونه عدة مرات ثم يعيدون طبخه، لا يؤكل، وإن أكل لا يهضم، فكانون يطلبون الحمية لأنها فيها بعض الرحمة فيمنعهم ذلك الطبيب منهم.
والوسيلة الثانية التي كان هذا "الطبيب" يعذب بها الإخوان، وهي أقبح من أختها، عندما يعرض أخ على عقوبة الجلد بموجب مخالفته للوائح فكان يعرض على الطبيب حتى يقرر في حالته الصحية، هل تتحمل الجلد وهل تتحمل الحد الأدنى أم الحد الأقصى، فكان يوقع من دون تردد على أن حالة السجين تتحمل أقصى من عقوبة الجلد.
المضحك أن "الطبيب" كان إذا مرض أتى نجيب الكيلاني ليفحصه ويشخص له الداء وقد كان له سلطان رهيب في السجن ولكنه إذا مرض أتىنجيب الكيلاني متذللا متوسلا..
هكذا وجدنا نجيب الكيلاني في "حكايات طبيب" يعتمد الجنس الروائي الذي هو مجاله الواسع والذي هو فارس حلبته لكي يؤرخ لرحلته المهنية التي هي أيضا شطر متميز من حياته، فنجيب الكيلاني صاحب المهنة النظيفة والنبيلة والمهنة الإنسانية الراقية مارسها تطبيقا بمعالجة المرضى، ومارسها تنظيرا بالإرشاد والتوجيه، وبالإدارة العامة وبالكتابة أيضا، فقد كتب عن الإيدز، وكتب عن الصحة والصوم ، وكتب عن المجتمع المريض وهو في السجن وكتب عن المشاكل الصحية، وحصل على جائزة دولية في هذا الباب، وجائزة وطنية في مصر، وكتب كتابات عديدة في مجال التوعية الصحية وأسلمة الوعي الطبي والثقافة الصحية، قد كتب هذا في الفترة التي كان يشغل فيها مديرا للثقافة الصحية بدولة الإمارات، وهي مهمة ليست موجودة في كثير من بلدان العالم المتخلف والعالم الإسلامي للأسف.

3- والجنس الثالث الذي اعتمده نجيب الكيلاني، وهو الجنس الصريح في التعبير عن الذات، هو السيرة الذاتية، فكتب" لمحات من حياتي" في خمسة أجزاء، عندما نقرأ "لمحات من حياتي" نجد أنها سيرة صريحة يتحدث فيها باسمه عن نفسه، ويتحدث عن مراحل حياته بشكل سريع، أي في "لمحات"بالفعل، فكان العنوان وفيا لمضمون الكتاب.
وقد حاول على مستوى اللغة والإبداع أن يكتب كتابة شبه فكرية ،فالرجل-بوعي منه أن السيرة تتأرجح بين الفكر والتاريخ وبين الإبداع الفني- حافظ في أسلوبه على الحد الأدنى من الأداء الجمالي، ولاحظت أن هذا الحد الأدنى هو الذي يمثل ما ينزل إليه أدب نجيب الكيلاني الروائي عندما تهبط به السردية إلى التقريرية، ولو كتب لي أن أتحدت عن نجيب الكيلاني روائيا لأفضت في هذه النقطة، ذلك أنه يستثيره أحيانا حدث تاريخي أو ملمح من ملامح الشخصية التي يكتب عنها فيستغرق كما ولو كان يركب فرسا يتهادى به ذات اليمين وذات الشمال، يقف عند لقطة نفسية أو عند مكون جمالي أو عند حدث تاريخي، وفي لحظة من اللحظات إذ به يحس أن عليه أن يقع الطريق فيستحث في قلمه عبر الكتابة المتوسطة التي تلامس أحيانا التقريرية، لنأخذ - مثلا - روايته الرائعة والضخمة، المكونة من جزأين"نور الله" في هذه الرواية وقفة على محطات رائعة في السيرة النبوية وجلاها، ولا أحسب أديبا مسلما قدم لسول الله صلى الله عليه وسلم بوسيلته الطاهرة هذه الخدمة، ما قدمه نجيب الكيلاني في روايته"نور الله" ولكن غالب الأحداث كانت مقتضية، لأنه يستحيل تغطية السيرة النبوية في عمل فني ، إلا إذا كان في عشرات المجلدات، ولأن كل حدث يحتاج إلى مجلد كامل، فهو يستحث الخطى، وخاصة في الأخير، حيث تسقط الرواية في التقرير من خلال الوصف التاريخي الموجز والمقتضب، هذا المستوى الذي يمثل الحد الأدنى من كتابات في الرواية، صار يمثل عنده الحد المتوسط في السيرة الذاتية، حاول أن يلتزم به نفسه في كتابه "لمحات من حياتي" والعجيب جدا أن "لمحات من حياتي" استغرقت خمسة أجزاء ولم تكن سوى لمحات، لماذا؟ هل شخصيته من الغنى والإثارة ما يقتضي كل ذالك التطويل ثم لا يكون ذلك سوى لمحات؟ أم هناك شيء آخر كامن وراء تسمية الكتاب بلمحات؟ وقد قلت إن شخصية الكيلاني خارج قلمه شخصية بسيطة وعادية، وهي شخصية داعية مخلص، مثقف نظيف، مهني ناجح ثم مبتلى بالسجون مهاجر إلى أن عاد إلى بلده ثلاث سنوات قبل وفاته، ولكن جانب التضخم – مع كونها لمحات - في كون نجيب الكيلاني لا يتحدث في ذاته إلا عن ذاته، فهو - حتى في اللحظة التي يستغرق فيها الإنسان نفسه يسرق فيها الإنسان نفسه من العالم الخارجي ليكتب عنها ، يكتب عن الآخرين "لمحات من حياتي" لا تجد من سيرة نجيب الكيلاني إلا لمحات، وتجد - عوضا عن ذلك - الواقع الذي تحركت فيه ذاته كنقطة في بحر، وهذا يمثل - بالطبع - تواضع المؤمن ورؤيته وغايته ... فعندما نقرأ الكتاب نجد من هذه الطفولة ولا نجد من هذه الطفولة تفاصيل كثير عن حياته بقدر ما نجد ذلك عن قريته بيئية نموذجية للحياة المصرية الريفية في عهد الملك فاروق، ثم نجد بعد ذلك إمعانا و إغراقا وتدقيقا عجيبا في المقارنة بين عهدي الملكية والجمهورية التي تلتها، والذي نستنتجه من هذا المجلد الأول هو أن عهد الملكية في مصر كان لا يقارن من حيث حقوق الإنسان والعناية الاجتماعية و الثقافية للإنسان المصري بما فعله عبد الناصر، في حين الشعارات التاريخية والكتابات السياسية و الديماغوجية الرسمية تقدم الصورة المناقضة تماما...ولو قرأ أحدنا "مصر بين عهدين" لصلاح الدين حقي، ثم قرأ"بشوات و سوبر بشوات" لحسين مؤنس لاكتملت عنده الصورة الحقيقية فالأول كتابة سياسية ،والثاني كتابة تاريخية، واللمحات كتابة أدبية، ولكن المجموعات الثلاث تتصادى في اتجاه واحد مفاده أن العهد الملكي صار حلما -على الرغم من مفاسده- بعد حكم جمال عبد الناصر والعساكر الأشرار .
ولهذا وعندما نقرأ المجلد الأول لا نقرأ ذات نجيب الكيلاني وإنما نقرأ فضاء مصر بين عهدين سياسيين . وأثارني أن الرجل يستوحي شيئا من كتابات سيد قطب - رحمة الله عليه- الذي كتب "طفل من القرية" فنجد النفس الريفي الحالم والرومانسي في هذا الجزء الأول عند نجيب الكيلاني .
أما الجزء الثاني فيتحدث فيه الكيلاني الشاب والطالب في الجامعة وابن الدعوة الإسلامية، وفي هذه الفترة -أيضا – لا نجد كثير الحديث عن شخصية نجيب الكيلاني الذي انتمى إلي الإخوان المسلمين عندما تحول من شرشابة إلى القاهرة وعندما بدأ يدرس في الجامعة، وإنما نجد العهد السياسي الزاهر والمتوثب الذي عاشه مع الإخوان المسلمين في هذه الفترة من حياته، ويختم هذا الجزء بالحديث عن إعتقاله ، عندما قبض عليه - وهو طالب بالسنة الرابعة في كلية الطب - ضابط سياسي كبير، فقاله وهو يمسك به :" أهلا بوزير صحة الإخوان"
والجزء الثالث من الكتاب يتحدث عن سجنه، وفيه تهيمن نفسية السجين، ولكن الإبداع الأدبي أيضا يحضر حضورا قويا، وفيه يتحدث عن قدرته على كتابة الرواية الأدبية، وهنا يبدأ الأديب المناضل، يبدأ قلم المجاهد، وليس قلم المسترخين على الأرائك، الآكلين بأقلامهم أصحاب الدعاوى الثورية المحدثين عن نظام اللغة كسلطة" عن الإبداع والتغيير" أما الرجل فكان يكتب في السجن حيث حق الحياة ممنوع وحق التفكير والإحساس ممنوع، أما القلم والورق –كأشكال مادية لهذه الحياة الإنسانية النفسية – فأمر مستحيل، فقد كان نجيب الكيلاني يمارس جريمة تهريب الورق والقلم وجريمة الكتابة في ظروف صحية ونفسية ملؤها الجلد والقهر والتعذيب والظلام والتجويع، والعساكر الذين سمتهم البلادة والأمية والبداوة القاسية، يتم اختيارهم لكي يمارسوا التعذيب بقساوة على الطريقة الصربية ووسط هذا الجو المحموم والرهيب كتب نجيب الكيلاني مجموعة من رواياته، ولا يقف به التحدي عند ممارسة الكتابة، بل يمتد، وهذا هو التحدي الأعظم ،إلى تهريب هذه الروايات بطرق -الله أعلم بها- ثم استطاع توصيلها مستغفلا الهيئات الحكومية العليا باسم مستعار، حتى تحصل على الجائزة الأولى للإبداع الروائي في مصر لكل سنة. وقد حصل على ثمان جوائز في سنوات متوالية كأحسن روائي وكان بعد أن يعطي الجائزة – يكتشف بأنه سجين، فينتقل في ظروف مضحكة مبكية من السجن، وقد ألبس ثيابا جديدة لكي يحضر حفل توزيع الجوائز والاحتفال به، ثم بعد ذلك يعاد إلى السجن في ظروف مضحكة مبكية من جديد، ويمكن العودة إلى كتاب "لمحات من حياتي " لكي يطلع القارئ على هذه الحكايات العجيبة. والجميل أيضا في هذه الفترة أنه كتب رواياته الوطنية "في الظلام" " الدرب الطويل" اليوم الموعود"، وفي هذه الروايات الثلاث نجد المفارقة الساخرة، حيث يستطيع الروائي الأديب بقلمه أن يسخر من العسكري بجزمه وبإعلامه وجاسوسيته، ولنتصور دولة يحكمها عبد الناصر ويسيرها المخابرات في صلاح نصر، ويستطيع سجين من الإخوان المسلمين رغم الكلمة الممنوعة كما لو كانت "هروينا" أن يصل إلى هذا المستوى الذي ذكر، وفي الروايات الثلاثة توجد هذه المفارقات الساخرة، وهي روايات يطبعها الحديث عن الإعتقال السياسي وتعذيب المناضلين السياسيين والوطنيين أيام الملكية، ثم كيف أنه لما جاءت الثورة خرج هؤلاء المناضلين من السجن وكأن الثورة جاءت استجابة لنضالهم، والحقيقة هي غير ذلك، ولهذا لا تأخذ الثورة حيزا ملحوظا في روايات نجيب الكيلاني، وإنما أشارة إليها حسب ما تقتضيه الظروف، لكونه سجين يقدم لرواته لجهة رسمية، وهي التي ستعطيه الجائزة، فطبيعي أن يكون منه بعض المداهنة للثورة أو حتى بعض التظاهرات بمجاملتها، إلا أنها لا تحض في الروايات الثلاثة إلا بجملة واحدة، وهي أنه لما قامت الثورة أشاد بإخراج هؤلاء المناضلين من السجون، ومن الطبيعي أن العسكري البليد على الطريقة الستالنية والبوكدانوفية، عندما يقرأ الرواية بسرعة، وغالبا ما يقرأها له المخبر، والمخبر ليس أديبا ولا فنان، يقرأ الرواية عن الفترة الملكية، وهم أسقطوا الملكية، فيريدون أن يشوهوها، ويقرا في الرواية عن الوطنيين الأحرار الذين يعذبون في أيام الملك فاروق فيسرهم ذلك، ويقرأون في آخر جملة أنه لما قامت الثورة خرجوا من السجون، ولكنك عندما تقرأ الروايات الثلاث، تجد أنه ضمن فيها ألوان التعذيب والقهر التي كانت أيام عبد الناصر، وأن الثورةكلمة بريئة من انقلابهم، وأن الثورة شيء آخر ينتظر لكي يخرجهم من السجون، هذه المفارقة كل حاكم توصل بالقوة إلى مرحلة اللاتمييز بين الألوان، فلا يسقط القيم المجردة على ذاته لكي يحاسبها، وإنما ينظر إلى المسألة نظرة تاريخية محضة . ولهذا استطاع نجيب الكيلاني أن يخدع النظام الحاكم ثلاث مرات :
خالف أولاً - لوائح السجن الصارمة وأبدع وكتب هذا الإبداع وهربه وحصل على جوائز جد هامة، وثقب عين الإعلام المظلم القامع.
واستطاع ثانياً: أن يوهم النظام أنه مع الثورة وهل يكون سجين سياسي تسجنه "ثورة انقلاب " إلا ضدها.
واستطاع ثالثاً: إن يمرر خطابه ضد الثورة من خلال الرواية التي خرجت من السجن لكي تعانق وتحضن في الهيآت الرسمية العليا، وهذا هو التحدي الذي مارسه نجيب الكيلاني في دولة السلطة الستالينية الرسمية وقمع الإسلاميين ومنعهم، فيحصل على الجائزة الكبرى من أجهزة الدولة الرسمية.
يحكي أنه في الرواية الأولى، عندما جاءوا من السجن، ومنعوا الناس من الإتصال به، كان بعض الصحفيين والمثقفين يحترق، يود أن يكتشف سر هذا الروائي السجين، لأنهم قالوا لهم: إنه سجين عادي لا سجين سياسي... فكيف يعقل أن مثقفا ذا إحساس وطيبا وأديبا يمكن أن يكون يمكن أن يمارس جريمة عادية من جرائم المنحرفين من ضحايا الأمية والجهل في الأحياء الفاسدة، ثم صار إلى السجن وقد حاول الصحفيين والمثقفين أن يتصلوا به، ولكن الشرطة منعتهم حتى داخل الحفل وهو ينتقل عبر التلفزيون، ثم ينقضي الحفل ويعاد الكيلاني إلى السجن في تلك الصورة المضحكة المبكية التي ذكرت ...

4- هناك نوع رابع من الكتابة، ظهرت فيه ذات نجيب الكيلاني، هي الكتابة النقدية، وهي ليست جنسا أدبيا، ولكنه جنس الكتابة الذي يوجهه هذه الأجناس الثلاث المذكورة، في كتاب "رحلتي مع الأدب الإسلامي" يظهر نوع من التأريخ للذات الأدبية المبدعة .... ففي الجزء الأول من كتاب " رحلتي مع الأدب الإسلامي " ضمن نجيب الكيلاني رؤاه وأفكاره وقناعته العامة التي تميز شخصيته الأدبية والإبداعية وتصوره للأدب الإسلامي وللنقد الإسلامي، وهي غالبا تمشي مع روح المقدمات التوجيهية التي يضعها للرواية والتي تنم عن حس أدبي أكاديمي، رغم أن الرجل ليس متخصصا في النقد، وهذا هو وجه قوة التميز عند نجيب الكيلاني قد لا يكون المبدع بالضرورة ناقدا أو دارسا للأدب أو أستاذا له أو حاصل على شهادات جامعية فيه، لأن الإبداع حالة مفارقة لحالة الوعي والدراسة، ولكن أن يكون ناقدا فهذا شيء لا يتميز به إلا بعض الإسلاميين مثل نجيب الكيلاني وعماد الدين خليل، فنجيب الكيلاني كان طبيبا، وبقي يمارس مهنة الطب إلى آخر حياته، وليس كبقية الأطباء الذين اشتهروا بالطب ليومين ثم صاروا مبدعين مثل يوسف إدريس الذي يعتبر عندهم من قمم الإبداع الأدبي المصري، وقد طلبوا وكتبوا عنه ، وكان يتقن فهما واحدا، هو فن المسرحية لا غيرها، وقد صار يوسف إدريس ناقدا وأديبا وسياسيا على الطريقة التي كان عليها شيخه والمهيمن عليه محمود أمين العالم وأحمد عباس صالح وغيرهما ...وهناك أيضا باحثون في تخصصات علمية عرف عنهم أنهم، لما ابتلوا بحرف الأدب، تركوا تخصصاتهم، أما نجيب الكيلاني فقد بقي يمارس مهنته طبيبا كأحسن ما تمارس، ويبدع فيها كتابتا وتوجيها وإدارة وتطبيقا حتى حصل على تقاعد وفي الوقت نفسه كان يبدع ويكتب كتابات نقدية .
وتحضرني الآن المقدمة التي كتبها لرواية "نور الله " والمقدمة التي كتبها لرواية " الظل الأسود" لقد أرخ لكل الثورات الإسلامية المعاصرة وللأقطار العربية الإسلامية المعاصرة، ولصراع الحركات الإسلامية مع العملاء والاستعمار فيها، فقد كتب "ليالي تركستان " عن تركستان وكتب "عذراء جاكارتا " عن جاكارتا، وكتب " الظل الأسود" عن إيتوبيا، وكتب "عمالقة الشمال" عن انقلاب أحمد وبيلو في نيجريا، وفي المقدمات التي ذكرت نجد الروح العامة التي تجمعت في هذا القسم الأول من الكتاب. أما الجزء الثاني من كتب "رحلتي مع الأدب الإسلامي" فهو يمثل وجه الأمانة العلمية لديه، حيث مجده عمل جهده في نقل أغلب ما كتب من نقد عن إبداعه الإسلامي بدون تدخل أو تعليق .

خاتمة

وفي الختام، وبشكل سريع أقول إن حياة نجيب الكيلاني خارج قلمه هي حياة عادية وهي حياة داعية مبتلى وحياة مهني ناجح، ولكن داخل قلمه هي حياة متميزة وصاخبة ومثيرة وقوية، قوامها ثمانون عملا بين إبداع ونقد وكتابة فكرية وكتابة طبية ، وهذا ليس هينا ، فقد غطي أغلب الأجناس الأدبية تنظيما وإبداعا من رواية وشعر وغيرها، وداخل القلم نجد حياته مصهورة وذائبة في أمته، في قطر، وفي حركته الإسلامية التي كان يحيا فيها، فهو بجنس الشعر أرخ للعالم النفسي ، وبجنس الرواية أرخ للعالم المهني، وبجنس السيرة أرخ لعالمه ولمحيطه الثقافي والسياسي العام ، أرخ كذلك بجنس النقد الأدبي لإبداعه ولرحلتهالأدبية..
وأحب أن أشير إلى أن نجيب الكيلاني استطاع إن يخترق حاجزا ضخما في حياته الفنية ، رغم كل الحصار الذي مارسه عليه النقاد المصريون والنقاد الذين كانوا لهم تبعا في العراق وسوريا والمغرب وغيرها، هذا الحاجز هو المصداقية و المحك، وهو عالم الإخراج الفني : فقد ظهرت له في التلفزيون روايته " في الظلام" وظهرت له بعض القصص القصيرة التي تحولت إلى تمثيليات تلفزيونية، أما في مجال السينما فقد تعاقدت معه مؤسسة الإنتاج السينمائي في القاهرة على إنتاج السينمائي فيالقاهرة على إنتاج فيلم "ليل وقضبان" المأخوذة من رواية " ليل العبيد " كما تعاقدت معه نفس المؤسسة على إنتاج رواية "اليوم الموعود" فيلما، تلك الرواية التي نالت جائزة المجلس الأعلى للفنون والأدب ، ولم ينتج هذا الفيلم لأن تكاليفه بدت باهظة جدا، أما إنتاج قصة "قلوب تائهة" فهناك شبه اتفاق عليه.
فليتخيل المتأمل رجلا كنجيب الكيلاني محاصرا إعلاميا على مستوى الإبداع الفني ومحاصر لأنه ينتمي إلى فئة الإخوان المسلمين المحظورة في المجتمع العربي، ومع ذلك يجد طريق إلى الجهات التي تمثل السلطة الحقيقية في أية دولة وهي التلفزيون والسينما، فإن دل هذا شيء فإنما يدل على أن الرجل استطاع بقدراته الذاتية الأدبية والفنية إن يخرق كل هذه الحجب، وأن يفرض نفسه في عالم غريب عنه غربة كاملة، يقرأها القارئ في ديوان "أناشيد غرباء" .
أما المحك الحقيقي، والنيشان المشرف، وعلامة الحقوق الحقيقي، فهي إقبال القراء على إنتاجاته الأدبية والفكرية بنهم متميز، وحسبك دليل ألا كتاب واحد لم ينقد من السوق في فترة قياسية ويعاد طبعه مرات ومرات، حتى سارت أعماله نهبا للسرقات العديدة في مجال الطباعة والنشر، رحمه الله حيا و رحمه الله ميتا ورحمه يوم يبعث من جديد وجعل لنا من هذه الرحمة نصيب آمين.