عن الموقع

يعرض هذا الموقع أعمال و دراسات الأديب الدكتور نجيب الكيلاني رائد الأدب الإسلامي الحديث. تقديرا منا لأعماله الفكرية و الأدبية، و لتعرفه الأجيال الصاعدة.

الثلاثاء، 11 مايو، 2010

نجيب الكيلاني .. أبو الرواية الإسلامية


نشر أولا في لها أاون لاين
"الأدب الإسلامي تعبير فني جميل مؤثر، نابع من ذات مؤمنة، مترجم عن الحياة والإنسان والكون، وفق الأسس العقائدية للمسلم، وباعث للمتعة والمنفعة، ومحرك للوجدان والفكر، ومحفز لاتخاذ موقف، والقيام بنشاط ما".
 كان هذا التعريف للأدب الإسلامي من أوائل التعريفات التي قال بها الدكتور نجيب الكيلاني (رائد الرواية الإسلامية) عندما سئل: ما هو الأدب الإسلامي؟ 
ولد الدكتور نجيب الكيلاني في أول (يونيو) عام 1931م بقرية (شرشابه) محافظة الغربية بمصر، وفي سن الرابعة أدخل مكتب تحفيظ القرآن، حيث تعلم القراءة والكتابة والحساب وقدراً من الأحاديث النبوية الشريفة وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقصص الأنبياء وقصص القرآن.
ثم بدأت رحلته مع الأدب بوجه عام من خلال أشعاره في المرحلة الثانوية.. وكانت عبارة عن أشعار حول الموضوعات الوطنية، والمناسبات الدينية، وقليل منها عاطفي.. وخرج أول ديوان له وهو في المرحلة الثانوية حول هذه الموضوعات.. ثم بدأ كتابة القصة في المرحلة الجامعية، وكان متأثراً فيها بحياة أهل القرية وأخلاقهم، وخاصة العلماء الذين كان يجلس إليهم في قريته، والذين كان حريصاً عل معرفة رأيهم في كل ما يكتب.. بعدها قرأ بنهم منقطع النظير كتابات المفكر والشاعر الإسلامي "محمد إقبال"، الذي انبهر بكتاباته التي ترجمها د/ "عبد الوهاب عزام" من الأردية والفارسية إلى العربية.
كانت أسرته تعمل بالزراعة، وكان منذ صغره يمارس العمل مع أبناء الأسرة في الحقول، وقضى المرحلة الثانوية في مدينة (طنطا) عاصمة محافظة الغربية، ثم التحق بكلية طب القصر العيني (جامعة القاهرة) عام 1951م، وفي السنة الرابعة بالكلية، قدم للمحاكمة في إحدى القضايا السياسية وحكم عليه بالسجن عشر سنوات، وفي تلك الفترة جمع ديوانه الشعري (أغاني الغرباء)، ثم كتب روايته الأولى (الطريق الطويل) التي فازت بجائزة وزارة التربية، ونشرتها وزارة الثقافة والإرشاد آنذاك، وقدمها له وزيرها آنذاك "فتحي رضوان"، ثم قررت على طلبة التعليم الثانوي في عام 1959م، وفي المسابقة نفسها فاز بجائزة التراجم والسير عن كتابه (إقبال الشاعر الثائر) 1957م.
 وفي عام 1958 فاز مرة أخرى بعدد من جوائز وزارة التربية والتعليم، ففي مجال الدراسات النفسية والاجتماعية فاز كتابه (المجتمع المريض) وهو دراسة متميزة عن مجتمع السجون، وفي مجال التراجم والسير فاز كتابه (شوقي في ركب الخالدين) وفي مجال الرواية فازت قصته (في الظلام)، كما فاز بجائزة مجلة "الشبان المسلمين" في مسابقة القصة القصيرة التي أعلن عنها عام 1957، وكانت مقدار الجائزة خمسة جنيهات مصرية، وفي عام 1959 فاز بجائزة القصة القصيرة لنادي القصة القصيرة(اتحاد الكتاب) والميدالية الذهبية المهداة من الدكتور طه حسين، كما فاز في العام التالي بجائزة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والأدب عن روايته (اليوم الموعود) والتي قررت على طلبة المرحلة الثانوية عام 1960م، وأخرجت مسلسلاً إذاعياً 1973 بإذاعة الكويت، وقد أعدت كمسلسل تلفزيوني (إنتاج ليبي مشترك) لتعرض في شهر رمضان (1414هـ) تحت اسم (ياقوتة ملحمة الحب والسلام) والرواية تدور أحداثها حول الحروب الصليبية أيام الملكة شجرة الدر.
يقول الكيلاني عن بداياته مع الأدب الإسلامي: "على الرغم من أنني لم أعرف شيئاً عن الأدب الإسلامي أو المذاهب الأدبية إلا أنك إذا رجعت إلى الإنتاج الأدبي الأول بالنسبة لي تجده بعيداً عن الإسفاف والإباحية والعرى، بل هو أدب نابع من فكر رجل قروي بسيط، متمسك بأعراف القرية وتقاليدها التي هي أقرب ما تكون إلى الإسلام الصحيح.. لهذا فقد كانت أعمالي الأولى تمثل الأدب الإسلامي، ولكن بدون قصد أو تعمد مني، وإنما مرت بتلقائية عفوية. وبدأت أتجه إلى المذاهب، فقرأت فيها الكثير، وخاصة كتاب (الأدب ومذاهبه) للدكتور محمد مندور.. وبعدها بدأت تتضح الرؤية بالنسبة لي".
وكان من أهم إنجازاته: الدعوة إلى قيام أدب إسلامي منذ أواخر الخمسينيات، في إطار من الإدراك الواعي، والفهم المستنير، لماهية هذا الأدب ورسالته وأهدافه البناءة، في خدمة الأمة الإسلامية والعالم أجمع، دون تعصب أو جمود، مع الحفاظ على القيم الجمالية والإنسانية الصحيحة التي نادى بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أصدر في هذا المجال عدداً من الكتب النظرية (ثمانية كتب) وعدداً من الإبداعات الفنية التطبيقية في الرواية والقصة والشعر، وشارك بصورة أساسية فعالة في مؤتمرات الأدب الإسلامي التي عقدت في المملكة العربية السعودية كما شارك في العديد من الندوات والمحاضرات حول هذا الموضوع طوال الربع قرن الماضي، وقد ترجم الكثير من مؤلفاته إلى اللغات التركية والأوردية والفارسية والإندونيسية والإنجليزية والإيطالية والروسية والسويدية وغيرها.
أصدر أول سلسلة من نوعها في الأدب العربي المعاصر عن بعض قضايا ومشكلات العالم الإسلامي، منها (ليالي تركستان) و(عذراء جاكرتا) و(عمالقة الشمال) عن نيجيريا و(الظل الأسود) عن أثيوبيا، وغيرها. قال عنه الأديب الكبير "نجيب محفوظ" في مجلة المصور (أكتوبر 1989): "إن نجيب الكيلاني هو منظر الأدب الإسلامي الآن"، وأشاد بصدقه وموضوعيته، فقد أثبت الكيلاني بالتجربة الناجحة أن الأدب الإسلامي لا يعني الانحصار في دائرة الموضوعات التاريخية، وإنما يعنى أساساً بقضايا العصر، وواقع الحياة ومشكلاتها من خلال الرؤية الإسلامية الصحيحة وفي إطار الشكل الفني الجميل والمتطور.
كما تميز الكيلاني ـ رحمه الله ـ باهتمامه بقضايا الإنسان كالحرية والكفاية والعدل والتسامح، وأحاط في براعة بتفاصيل ودقائق الحياة في السجون، ومشاعر المقهورين ومعاناتهم في أنحاء العالم الإسلامي، وتناول عدداً كبيراً من النقاد في العالم العربي والإسلامي كتاباته بالنقد، وقدمت عنه دراسات ماجستير ودكتوراه في مصر والأردن والمملكة العربية السعودية وغيرها، وفي بعض الجامعات الأوربية.
كانت هناك عدة عوامل تداخلت في عدم شهرة الكيلاني وذيوع صيته بالقدر اللائق به منها:
 أولاً: أن الجيل الحالي من الشباب لم يعرفه جيداً؛ لأنه أمضى نحو ربع قرن من الزمان في دولة الإمارات العربية، مع أنه كتب خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته عدة قصص وروايات مهمة، وظهرت نبرته الإسلامية واضحة مئة في المئة من خلال الواقعية الإسلامية، ومع ذلك بقي بعيداً عن الصحف والمجلات المصرية.
وقد فضل أن يكتب آراءه واتجاهاته في كتب وروايات، وذلك حتى لا يحذف منها شيء - كما يحدث في الصحف - كما لم يرد أن يسبب لأحد مشكلات بسبب آرائه الإسلامية، وكان نادراً ما يكتب شيئاً بقلمه في الصحف؛ لأنه كان يحب ألا يُشوه رأيه أو يختصر أو يحّور..
ثانياً: الاتجاه الإسلامي الشامل لكل ما كتب نجيب الكيلاني، ولعل انتسابه للإخوان المسلمين في الخمسينيات والستينيات كان له أثر كبير في توجهاته وآرائه، كما كان ذلك سبباً في دخوله السجن في فترة حكم عبد الناصر، حيث كتب رواية " ليل وقضبان" وكتاب" المجتمع المريض" و"رحلة إلى الله" داخل محبسه، وهي من أقوى ما كتب، وكانت واقعية تماماً، وبعد خروجه من السجن كان يرمز للحرية في معظم كتبه ويشير إليها دائماً كرمز أساسي من رموزه الأدبية.
أصيب الكيلاني بسرطان الكبد، الذي لازمه لفترة، وكان طوال هذه الفترة صابراً محتسباً، وكان لا يشعر أحد ممن حوله بمعاناته، وكان أمله في الله قوياً جداً حتى آخر لحظة، وقد كان مستعداً للقاء الله راضياً بقضائه، ذاكراً لله في كل لحظة حتى آخر رمق في حياته، وكان يرتل القرآن في غيبوبته..
 ومن عجيب ما يحكى عنه أن امرأته دخلت عليه ذات مرة فوجدته يبكي فور انتهائه من تأليف روايته "مملكة البلعوطي" وعندما سألته عما يبكيه فقال لها: لقد توفي جدي (بطل الرواية)! وتقول زوجته إنها  أحست وقتها أنه يرثي نفسه.
وفي 5/10/1415هـ الموافق 6/3/1995م توفي الدكتور الكيلاني بعد مرض عضال عانى منه أشد المعاناة، وكان في أثناء مرضه مثال المؤمن المحتسب، بعدما خلف تراثاً أديباً ضخماً، وترك (30) فكرة لثلاثين رواية إسلامية، دوّنها في نوتة صغيرة عن مشكلات المجتمع المسلم، ولكنه لم يستكملها بسبب مرضه، ثم وفاته، وهي تنظر من يقدم عليها ويخرجها للناس.
 رحم الله الكيلاني رحمة واسعة جزاء ما قدم للإسلام والمسلمين.