عن الموقع

يعرض هذا الموقع أعمال و دراسات الأديب الدكتور نجيب الكيلاني رائد الأدب الإسلامي الحديث. تقديرا منا لأعماله الفكرية و الأدبية، و لتعرفه الأجيال الصاعدة.

السبت، 10 أبريل، 2010

الكيلاني وتعرية الصوفية.. قراءة أولى (2/2)

محمد علي البدوي
 
ومازال حديث الأمس موصولاً اليوم، فالكيلاني استطاع أن يسخر كل أدواته القصصية ويحشد كل قراءاته وثقافاته المعرفية حينما أراد الكشف عن حقيقة هذه النحلة من خلال قصته "ولي الله" فمن ذلك:
ثالثاً: القصة تذخر ببعض أبجديات المعجم الصوفي، مثل: أهل الخطوة، والواصلين الذين سقطت عنهم التكاليف، ".. قال الراوي: شيخنا يصلي في الكعبة كل مساء.. إنه من أهل الخطوة". وكذلك حفلت القصة ببعض مواقع بدعية نراها جلية على خارطة المذهب الصوفي، مثل: "الأضرحة، الدراويش، الأغاني الصوفية العذبة،..".
رابعاً: استطاع الكاتب - بجدارة- أن يوظف الصراع الذي" اتفق النقاد على أنه هو الذي يمنح القصة الحياة، ويبعث فيها الحركة، ويدفع إلى تطوير الأحداث ونموها، ويحدث التفاعل بين الشخصيات".  
فبواسطة هذا العنصر كشف الكاتب عن واقع الصوفية وخللهم في تربية أبنائهم فصراع "أحمد" وأبوه "وهدان" على قلب "نعناعة" وفوز الولد وانتصاره بل وزواجه من نعناعة وهربه معها، وخسارة الوالد والتسبب في مرضه ثم موته حسرة على حبيبته، هذه الأحداث تكشف عن سوء تربية الصوفية، وبعدهم عن ذويهم وعن متابعة أولادهم وانشغالهم بأورادهم وخلواتهم!
صراع آخر ولكن على جبهة مغايرة وهو صراع المريدين مع "عبد المطلب" تاجر المخدرات والذي أخذ يهتم ".. بالشائعات التي تلاحق الشيخ ونعناعة.. وأخذ يتقصاها وينشرها في  كل مكان، ولم يأل جهداًَ في تنميقها والمبالغة فيها..".
هذا الصراع كشف عن شدة اعتقاد المريدين في شيخهم وقولهم بعصمته والمبالغة والمغالاة فيه إلى الدرجة التي تخرجه عن بشريته، والتي تنتهي إليه الصوفية مع مشايخهم.
خامساً: الحوار كذلك وظفه الكاتب كأداة فنية، ويمكن أن يكون قولنا في الصراع متوافقاً مع ما سنقوله في الحوار، فالحوار هو الآخر وظفه الكاتب ليكشف به عن ضلال هذه الفرقة وليقدم به تعريفاً لبعض مفرداتهم، ولنضرب أمثلة على ذلك من القصة: ما جاء على لسان الشيخ "ناصف" مؤذن المسجد الكبير: "الواصلون ليسوا مثلنا.. فالفرائض وأوامر الشرع لأمثالنا ناقصي الإيمان، أما أمثال الشيخ "وهدان" فلهم حكم آخر.. لقد كُشف الحجاب عن بصرهم وانتهى الأمر.. شيخنا يصلى في الكعبة كل مساء.. إنه من أهل الخطوة".
وأجد قلمي مضطراًَ للوقوف عند هذه النقطة فعالم الكيلاني عالم كبير، وتقصي مظان الإبداع فيه قد يطول، ولكن حسبي في كل ذلك شرف المحاولة، مع العلم بأن وقوفي مع القصة كان يسيراً بالقدر الذي يتصل بالموضوع - الصوفية- فرحم الله الكيلاني وأثابه جزاء ما قدم .. والحمد لله رب العالمين.

الاثنين، 5 أبريل، 2010

الكيلاني وتعرية الصوفية.. قراءة أولى (1/2)








أ/ محمد علي البدوي
يظل نجيب الكيلاني- رحمه الله ـ عملاق القصة الإسلامية بلا منازع، فهو رائدها وصاحب السبق فيها، والمنظر لها، وما ذلك إلا لغزارة إنتاجه وسلامة منهجه وعمق تفكيره وتناوله لقضايا الأمة من أقصاها إلى أقصاها، وإن كنا لا نقول بعصمة الرجل، فكل يؤخذ من قوله ويرد، ومن أبرز إنتاجه الذي يخرج عن الخط الإسلامي - إن صح التعبير-" ليل الخطايا" والتي رفض الكاتب ـ رحمه الله- إعادة طباعتها للمرة الثانية، وكذا روايتيه: "الربيع العاصف" و"في الظلام" ولكن بنسبة أقل.
 

ولعل سر نجاح الكيلاني "1931م –1995م" الأدبي يكمن في (سحر بيانه) فالرجل صاحب أسلوب رائع في الكتابة، رائع في العرض، رائع في الحبكة القصصية التي تأخذك ثم لا تدعك، وتأسرك ثم لا تطلقك إلا وقد أتيت عليها. استحضر هذا الكلام جيداً وأنا أعيش أحداث قصة "ولي الله" والتي جاءت ضمن مجموعته "عند الرحيل" فالقصة تحكي عن الشيخ "وهدان" شيخ الطريقة الصوفية، حيث اللحية الكثيفة والسبحة الطويلة والدموع المنسكبة، تأثراً بالتواشيح الشركية والاستغاثات القبورية بالأموات:
"يا بنت الأطهار
أنا المحتار داويني
جدك له المعجزات
ملأت دواويني"
والشيخ وهدان هذا دائم الخلوة في بيته، أو في أحد الأضرحة التي يرتادها ويؤمها بعيداً عن الناس، وبعيداً حتى عن أولاده الذين كانوا في قمة الاستهتار بالدين والأخلاق، وما ساءت التربية إلا من سوء المربي الذي غفل عنهم، وأهمل الأمانة التي ائتمنه الله عليها، والمسؤولية التي سوف يسأل عنها، ولكنهم هكذا هم دائماً فئة الخاسرين أعمالاً الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
ويمضي الكيلاني في سرد أحداث هذه القصة وذلك من خلال عرض مشوق، ممسكاً بخيوط الحبكة القصصية التي أتقنها، وألف أدواتها، حيث يعرض فئام الدراويش التي تقبل على الشيخ وهدان.. تقبل يديه في شغف، وتعفر جباهها بالتراب الذي يسير عليه وتتسابق إلى الماء المتخلف من وضوئه كي تتبرك به، وتتداوى من السقام.
وحتى عندما تنفجر في القرية إشاعة مفادها أن الشيخ وهدان يتردد على بيت "نعناعة" ينبري المريدون للدفاع عن شيخهم، وكاهنهم، فتارة يتسلون ويتسرون بما قيل في المصطفى صلى الله عليه وسلم. وتارة يدعون بأن إمامهم من أهل الخطوة الذين بلغت بهم الكرامة أنهم يصلون في الكعبة بأرواحهم وربما بأجسادهم وهم بين ذويهم وأصحابهم..
لكن الشمس تسطع والغبار ينجلي والدخان ينكشف عن نار الحقيقة، فالشيخ قد وقع في حمأة الرذيلة، ومستنقع الخطيئة الآسن، وأنى لقلب ملئ بالخزعبلات، واقتات على الخرافة أن يصمد أمام طوفان الشهوة، ورياح الفتنة، لقد أحب الشيخ وتعلق قلبه بالغانية "نعناعة" من دون الله ـ تعالى- وبلغ به الحب إلى درجة المرض، الذي كان قنطرة العبور إلى الدار الآخرة قال الراوي"أما الشيخ وهدان" فقد لزم داره، لم يعد يره أحد يمضي في الطريق؛ تشع منه التقوى والوضاءة، ولم يعد يتوسط حلقة الذكر، ولم تعد تلمع دموعه فوق لحيته وهو يستمع إلى أغاني المتصوفين، وألزمه المرض الفراش لثلاثة شهور ولم يغادر بيته إلا يوم وفاته..
 

وقبل أن نطوي صفحات هذه القصة المشوقة في عرضها، الماتعة في أحداثها، يمكننا أن نكتشف سر نجاح الكيلاني في تعرية الواقع الصوفي من خلال الوقفات التالية:
أولاً: صدق التصوير للواقع الصوفي- والأدب مرآة صادقة للحياة- وقد تأتي ذلك للكيلاني من خلال رافدين هما:
أـ وجود الكاتب في "طنطا" أرض أحد أكبر الموالد، وقبلة الصوفية مما سمح له برؤية هذا الواقع عن قرب والوقوف على حقيقته عن كثب. ب ـ سعة القراءة والاطلاع في الكتب التي تناولت الصوفية، فهذه القصة تذكرنا بما نقله ابن الجوزي في تلبيس إبليس. والذي عرض فيه لما يحصل للمتصوفة من تلبيس وأسهب في ذلك كثيراً.
ثانياً: معالم الصوفية تظهر بوضوح من خلال هذه القصة فهناك الثالوث الصوفي(الطريقة-الشيخ- المريدون) والتصوف في نظر معتنقيه طريقة وحقيقة معاً!
والطريقة مما يدين به الصوفية، ولعل المريدين في هذه القصة قد امتثلوا الطريقة الإشراقية والتي يقول عنها ابن عجيبة- واصفاً آدابها.
وللقوم في لقاء المشايخ آداب منها تقبيل يد الشيخ ورجله... ومنها جلوسهم بين يديه على نعت السكينة والقار. وهذا الذي أراده الكيلاني عندما قال عن "طائفة المريدين وآدابهم مع شيخهم".. تقبل يديه في شغف، وتعفر جباهها بالتراب الذي يسير عليه..
ولعل العصمة التي جعلها الله- سبحانه وتعالى ـ لأنبيائه فيما يبلغون عن ربهم جعلها المتصوفون لشيخهم فهم يرفضون مجرد الإشاعة التي تنال من "وهدان" ويرون ذلك مجرد محاولة قذرة للنيل من قداسة الشيخ.
والشيخ كمعلم من معالم الصوفية يأخذ في القصة موقع البطل أو الشخصية المحورية التي تقوم عليها أحداث القصة. "فالصوفية يغدقون عليه كل صفات الألوهية والمريد الذي لا يعتقد بشيخه القدسية الإلهية لا يفلح.. بل ولا بد في التصوف من التأثير الروحي الذي لا يتأتي إلا بواسطة الشيخ الذي أخذ الطريقة عن شيخة.
"وللحديث بقية"