عن الموقع

يعرض هذا الموقع أعمال و دراسات الأديب الدكتور نجيب الكيلاني رائد الأدب الإسلامي الحديث. تقديرا منا لأعماله الفكرية و الأدبية، و لتعرفه الأجيال الصاعدة.

الثلاثاء، 17 نوفمبر، 2015

عن المقبوليّة الفنّيّة في رواية : ( عمر يظهر في القدس )

نقلا عن الأستاذ الدكتور أحمد عبيدون - اليمن
أقيم نقاش بعنوان :
عن المقبوليّة الفنّيّة في رواية : ( عمر يظهر في القدس )

لتحميل رواية الأديب د/ نجيب الكيلاني ، عمر يظهر في القدس 
    عن المقبوليّة الفنّيّة في رواية : ( عمر يظهر في القدس )
    إهداء :
    للقدس وهي تحتضن آلامها بصمت !
    ما يشبه المقدمة :
    ضمن النشاط الطلابي لجمعية اللغة العربية ، لهذا الشهر ، نظمت مجموعة القراءة الحرة فعالية لمناقشة رواية نجيب الكيلاني ( عمر يظهر في القدس ) بمعيّة الأخ الدكتور علي عثمان ، ومشاركة مميزة من الطالبات والطلاب ، وكنت معنيا بالحديث عن المقبولية الفنية لظهور عمر في الرواية ، وكيفية معالجة هذا الأمر للوصول إلى استساغة القارئ وإقناعه ، وهي مسألة أعد لها الكاتب فنيا إعدادا نفّذه في الرواية على مراحل متدرجة في منطقية فنية تحدث في الراوي من لحظة اليأس المظلمة حتى بزوغ فجر عمر وظهوره في الحلم ، هي مراحل وحالات مر بها الراوي تشبه المراحل والحالات التي يمر بها الأنبياء والمصلحون منذ اليأس من الناس في اتجاه يذهب نحو الابتعاد عنهم والخروج من أمكنتهم نحو الفضاء والاتصال بالآفاق والأنس بالطبيعة وحب الوحدة والانعزال ، حتى تبزغ في النهاية المعجزة في حلم يشبه اليقظة أو يقظة حادة تشبه الحلم :
    - اليأس الذي يشبه العقاب :
    كان الراوي يائسا يأسا شديدا ، لكنه اليأس الذي يشعر معه الإنسان أنه مسئول عنه ومتسبب في نتائجه التي تبدو عقابا على تقصيره وإهمال القيام بواجبه ، فهو يأس لا يؤدي إلى الهدوء والاطمئنان والركون إلى التسليم بالواقع ، وإنما هو يأس محرّض فيه كثير من القلق والرغبة و التفكير في الخروج منه ، نتعرف عليه من لغة الراوي في خطابه لأمه : (( تقولين إن اليأس كفر ورحمة الله وسعت كل شيء ، إن كلماتك صواب لكن هناك يأس قد فُرض علينا فرضا لا حيلة لنا في رده أبدا إنه قدر ، وهو في نفس الوقت عقاب ، نحن الذين جدلنا نسيج الهزيمة بعبثنا ولهونا واستهتارنا )) ص : 5 ، 6 .
    - الجنون الذي يشبه الحكمة :
    إن حالة اليأس هذه تؤثر كثيرا على العقل فتجعله يخرج عن طبيعته نحو الجنون ، ولكنه الجنون الذي يكسر قانون العقل الطبيعي المنطقي والحسي ويفتح فيه إمكانية لمنطق أقوى وحكمة أوسع (( كانت أمي تنظر إلي بوجهها الشاحب الحزين والدموع تترقرق في عينيها ، ولعلها تظن أني قد أُصبت بنوع خبيث من الجنون ينبع من هذيان نسميه حكمة ومنطقا قويا وتفسيرا جذابا للأحداث الجسام التي يرتج لها كياننا )) ص : 6 . وغير بعيدة عن هذا السياق الاتهامات للأنبياء بالسحر والجنون في القرآن الكريم : (( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون )) الذاريات : 52 .
    - الهروب الذي يشبه العودة :
    وهي مرحلة ينفصل فيها الراوي عن البيئة التي يعيش فيها ، والناس الذين كان يتصل بهم ، والواقع الذي يعيش فيه ، وهو خروج ليس للتخلص من هذا الواقع بقدر ما هو رغبة من أجل العودة إلى إصلاحه وأمل من أجل تغييره ، تماما مثل الهجرة التي قام بها الرسول والمسلمون بشكل مؤقت حين كانوا في مرحلة ضعف واضطهاد ، وهذا ما نتعرف عليه في لغة الراوي بقوله : (( ووليت هاربا قاصدا خارج المدينة ، لم أكن أحمل حقيبة أو أضع على عيني منظارا أسود ... وفي مكاني المعزول حيث الهدوء والعزلة والصمت والآفاق الرحبة )) ص : 7 .
    - الشجرة التي تشبه الصديق :
    في ظل هذا الخروج عن المدينة ، وهذه المحنة الكبيرة ، لابد من مكان يلتجئ إليه الراوي هنا وليس أمامه غير الأفق المفتوح أرضا وسماء ، كانت السيدة مريم في محنتها التجأت إلى شجرة ؛ إلى نخلة (( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا )) مريم : 26 . ومثل هذا الموقف هو ما نرى الراوي يمر به : (( جلست في ظل شجرة عتيقة كانت تشدني إلى هذه الشجرة ألفة وحنين من نوع غريب ، وجلست مسندا ظهري ورأسي على جذعها الضخم الراسخ ، وعشرت الأفكار تصطرع في رأسي المتعب )) ص : 7 . لم يكن هنا هز ولا رطب ولكن الموقف يضع بدلا عنهما كلمات : الألفة والحنين والغرابة .
    - الغيبوبة التي تشبه النوم :
    قبل أن يدخل الراوي في الغيبوبة نراه يستحضر العالم أمامه في لحظاته الأخيرة ويراه كما هو ؛ لم يتغير ولم يتبدل : (( ملامح الأرض لم تتغير ، السماء كالعهد بها والطيور تمرق في الأفق الكبير ، والشمس تصب دفئها وأشعتها ، لا تكترث لما جرى وما يجري ، والعالم موقفه يدعو إلى الحيرة يصفق للمعتدين وينحي باللائمة على المغلوبين المظلومين ويتغنى بالحق والعدل والسلام )) وهذا الأمر يزيد من الضغط على الراوي مما يجعله في حالة من التعب والإجهاد التي تثقل أجفانه وتضعف تركيزه فيغيب عن الوعي : (( أكاد أختنق وأجفاني تثقل وتثقل ، والإرهاق يجعلني عاجزا عن الحركة ، كل شيء يضطرب في ذهني ، لكأني مقيد ومعلق بين السماء والأرض لا أستطيع الهبوط أو الصعود ، هل توقفت قوانين الطبيعة ، أم أني أضرب في عالم غامض غاية الغموض )) ص : 7 .
    عمر الذي يشبه المعجزة :
    هذه المراحل الخمس كلها ضرورية لإحداث المعجزة ( ظهور عمر ) واللطيف أنها تمثل تدرجا فنيا لليل يزداد فيه السواد حلكة ابتداء من اليأس وانتهاء بالغيبوبة مما يجعل من هذه المراحل تزداد سوادا حتى اللحظة الأخيرة التي يبزغ فيها فجر عمر ؛ كانت عينا الراوي تثقلان في الواقع وتثقلان حتى يغيب عن الوعي لكنهما الآن تنفتحان في الحلم ويستيقظ يتحسس نفسه ويتأكد من يقظته وهو يواجه عمر (( ... لفحت وجهي المحتقن الملتهب أنفاس عطرية ندية ، أحسست أن يدا سحرية تصب في قلبي وعقلي قطرات من الراحة والسكينة والرضا ، حاولت أن أفتح عيني فتدفق النور ، يا إلهي ماذا جرى ، أخذت أتحسس جسدي وأفتح عينيَّ ثم أغلقهما وأقبض يدي ثم أبسطها ، وأتنفس بقوة ... وشعرت بيد حانية تربت على كتفي في حنان ورفق ، فإذا برجل مديد القامة مشرق الوجه مشرب بحمرة تضفي عليه لحيته البيضاء وقارا زائدا ... سلام الله عليك )) ص : 8 .
    ومنذ هذه اللحظة تبدأ أحداث الرواية الغريبة ..................................... ..............................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................
    النوم الذي يشبه اليقظة :
    لا تنتهي الرواية إلا بغيبوبة جديدة ، نوم في الحلم ، يستيقظ منه الراوي وأصدقاؤه على اختفاء الخليفة عمر : (( وأخذتنا سنة من النوم لم نستطع أن نغالب النعاس ، وبعد فترة لا أدري أطالت أم قصرت تيقظت وأخذت أتلفت يمنة ويسرة وصرخت في رعب : الخليفة !! أين الخليفة ؟! وأفاق الأخوة من نومهم مذعورين دهشين ... )) ص : 233 .
    هذه هي ما عنيت بـها ( المقبولية الفنية ) في الرواية بحيث أصبح عمر بن الخطاب في خطاب الرواية ( فكرة ) نسمعها في التاريخ وفي خطب الجمعة والآن نراها مجسدة في شخصية مقنعة في الرواية مما يعيدنا إلى العنوان ( عمر يظهر في القدس ) فنرى كلمة ( عمر ) كلمة أقرب إلى التنكير منها إلى التعريف ينفتح معها المجال لظهور ( عمر ) ما ، بوصفه قيمة وفكره أكثر مما هو شخصية ، كما أن كلمة ( يظهر ) تحمل في إشارتها دلالة الخفاء كما النجم الذي يظهر فجأة ثم يغيب ، وتنتهي الرواية وتبقى الفكرة مفتوحة على الزمن لا تنتهي .