عن الموقع

يعرض هذا الموقع أعمال و دراسات الأديب الدكتور نجيب الكيلاني رائد الأدب الإسلامي الحديث. تقديرا منا لأعماله الفكرية و الأدبية، و لتعرفه الأجيال الصاعدة.

الخميس، 23 ديسمبر، 2010

رواية الرايات السوداء

الجزء الثاني: و هكذا رأت النور رواية مفقودة من روايات أديبنا الكبير منظر الأدب الإسلامي الحديث و الذي قضى فترة من حياته يعمل و يكتب في دولة الإمارات. و هكذا اليوم، أعيد تقديمها وفاءا لأدبه، و تقديرا لقرائه الكرام.
ربما يكون هذا هو العرض الأول لهذا الكتاب على حد المتوفر لدي؛ فلم أجد نقدا أو عرضا لهذه الرواية التي صدرت بعد وفاته. و هنا نذكر بأن زوجات الأدباء وفيات لعطاء أزواجهن، فالشكر لأسرة الأديب الراحل. ربما أعجبني الكتاب بدءا؛ لاهتمامي بما أدعوه (إسلام واحد، و مسلمون عدة).  يصدر المؤلف كتابه من قول أحد الأدباء الغربيين: (ما التاريخ إلا مشجب أعلق عليه لوحاتي). ثم يرسم بقلمه لوحة تاريخية في قالب فني تحليلي كما يصف روايته:
(إنني أشعر بانجذاب لا يقاوم نحو تاريخ أمتنا العريقة، فلا أقل من القراءة فيه و التعمق في أحداثه، و رسم صورة نفسية لإنسانه. و أجدني أعيش أحداثه و تجاربه بشغف غريب....لعل هذا أهم ما يشدني إلى التاريخ، ويربطني به أوثق ارتباط، و لا يعني ذلك أني أعيش في أجيال مضت، و ترتسم سلوكها و قيمها. و أنعزل عن واقع أعانيه، و إنما هي نظرة كلية تربط الماضي بالحاضر و تستشرف آفاق المستقبل، ليس انعزالا إذن، و إنما هو ثورة على التقوقع، و ضيق الأفق و النظرة القصيرة للحياة و الأحياء...)
و يؤكد على اهتمامه بفترات التحول التاريخية في حياة الأمم؛ فاختار لنا هنا فترة انتهاء الدولة الأموية، و بداية الدولة العباسية. ثم عنون روايته (الرايات السوداء). و أصول هذه القصة الحقيقية وردت في نصف صفحة فقط من القطع الكبير في كتب التاريخ: (لكن كتب التاريخ دائما لا تقول كل شيء).
في عرضه لروايته اهتم بالجانب النفسي وراء كل شخصية، و حاول أن يكون صادقا مع الأحداث التاريخية و مع نفسه. و أدان الجميع. نعم، أدان الأمويين و العباسيين. لم ينج في روايته إلا الزوجة المخلصة التي ورثت من أبيها الشيخ العالم صفة الاتزان. ذلك الشيخ الذي قال كلمة الحق في المسجد؛ فسجن و عذب ثم مات بسجنه. كان المؤلف صادقا؛ فلم يمنعه إسلامه من أن يصور أخطاء الرجال المسلمين، و هو دائما يفرق بين أخطاء الدين و رجال الدين - على حد تعبيره - عندما يتعرض للتاريخ.
يقول عن فترة الانتقال و التناحر بين المسلمين:
(و بالطبع لم تكن هذه الفترة القلقة الدامية المليئة بشتى ألوان المتناقضات و الصراعات تعبيرا صادقا عن النظام "الإسلامي" السليم في الحكم و السياسة و الحرب و الحريات العامة، و كانت هذه الثورة في هذا الوقت، أشبه ما تكون " بالنوبة العصبية" التي تنتاب الرجل السليم فتجعله يتصرف بلا وعي.)
و يدلل على ذلك بأن الدولة العباسية بعد ما استقرت و ثبتت دعائمها، فتحت أبوابها للعلم و المعرفة، و امتزجت بالحضارات العريقة و أنجبت عديدا من العلماء، و المفكرين، والفلاسفة، و الشعراء....
يصف بكل واقعية تعذيب شيوخ في السجن:
(لا أعرف إلا أني مظلوم...مظلوم..أنتم قساة لا ترحمون شيخوختي...أين تذهبون من الله يا بني العباس يوم لا ينفع مال و لا بنون؟؟أتريدون أن تتلذذوا بحر الانتقام من شيخ واهن مثلي؟؟ ما ذنبي؟؟ ألأني أموي و لأني أكرهكم؟أجل سأظل أكرهكم و أكرهكم، وخاصة بعد تلك المعاملة السيئة، و هذا الظلم الفادح الذي لا يقره منطق و لا دين..).
و قد اختار أن يشتغل في روايته على محورين هما:(الحرية) و (الانتماء).
و أما الحرية فلأن معظم الشخوص عبيد يتوقون إليها. بل إنه بدأ الفصل الخامس من الرواية بقوله (كلنا عبيد):
·         فالجارية (ياسمين) تتمنى أن تعيش حرة لا أمة في حياتها، و حرة في حبها حتى لو أغراها تعلقها بسيدها:
(قد يكون لرجل المبدإ إغراء آخر يسبي قلوب النساء) كما قالت لسيدتها (لمياء) في وصفها لسيدها.
 و أسجل هنا أنه لم يتمادى في وصف حسي أو في شرح العلاقة الحميمية كما وظفهما في رواية (على أبواب خيبر) بين العبد و سيدته و (دم لفطير صهيون) كذلك. إلا أنه اكتفى بكلمة متلازمة له ( و أتمت زينتها على صورة ملفتة للنظر) و في وصف (و قالت "ياسمين" و هي تغادر الحجرة بعد ساعة: -هذه أعذب لحظات عمري. – لكنها حماقة ما كان يجب أن تحدث)...
ثم تشعر "ياسمين" بأن ما كانت تراهن على تعلقها بسيدها كهدف في حياتها إنما هو نوع من العبودية مضطرة إليه كجارية. و لم تفق إلا بعدما جفاها مولاها:
(لكنها الآن بعد صده لها كفرت بهذه النظرية، فقد أدركت بعد اتجربة المريرة، أن الحرية أروع ما في الحياة، و لو كانت حرة لانتقمت لشرفها و كبريائها، و لأعطت لمولاها درسا لا ينساه، بل لعلا كانت تحتقره، و تدعه يهرول وراءها ناشدا رضاها عليه...)
 أتوقف هنا عند معنى الحرية لدى العبيد و الإماء في هذا العصر. إنهم للأسف نشئوا على هذه الخصلة (العبودية المطلقة)، و لم ينفع إلا تجربة قاسية أو حسن تربية ليفيق بعضهم وليس كلهم. و كم من أحرار في عصرنا هذا ربوا على الخنوع كالعبيد؛ فصعب تغييرهم بتجارب عدة، و مع طول زمان.  
·         و البطل السيد (علي بن أبي أمية) يعيش عبدا لثأر أبيه الذي قتله غيلة واحد من الأمويين، و يعيش عبدا للقتال المطلق مع الأمويين، و عبدا للتخلي عن وضعه الاجتماعي كسيد مخلص لزوجه لا يهفو لجاريته إلا مرة كاللص سرعان ما يخلف قلقا نفسيا. و بينما في غمار قلقه يقول:
(لكنه يجب ألا يفقد الأمل في الله، آه..لقد نسى الله و هو يظن أنه يحارب في سبيله، و يقضي على الظلم و الفساد، و يحيي المعاني الإسلامية الكبرى التي صنعت هذه الحضارة الضخمة و ذلك العلم الجديد..أجل لقد نسى الله، ماذا يفعل؟؟)
ثم يصف تعذيب صهره الشيخ العالم صاحب الخطبة التي تطرأت لأمر الخلافة، حتى منعوا الماء عنه:
( و ماذا كنت تنتظر منهم غير ذلك؟؟ لم يبق في جسدي كله شبر واحد دون كدمات أو جروح، لقد تقيحت جروحي، و الحمى تسري في جسدي...إن ما قلته مجرد فتوى.. بل سمه رأيا إذا شئت.) يرد (علي) قائلا: (أمن أجل هذا راح أبوه غيلة؟؟ أمن أجل هذا أريقت دماء الألوف من البشر المساكين؟؟ و هل أمر بهذا كتاب الله و سنة رسوله؟؟) يرد الشيخ:  (تنسى الماء لأنك لا تشعر بالظمإ..كما نسيت العدل بالأمس لأنك لم تقاس الظلم، و نسيت الرحمة لأنك لم تتعرض للقسوة..هكذا الدنيا..)
و يتحلل تدريجيا من هذه العبودية طوال الرواية. و في النهاية يضحك بعصبية:
(قتل الأمويون أبي..وقتل العباسيون صهري.. و أنا!! ها..ها..قتلت نفسي.)
·         هناك أيضا (سليمان ابن إبراهيم بن عبد الملك) الذي يعيش هاربا كالسجين خوفا من بطش العباسيين و (علي بن أبي أميه) لانه قتل أباه. و يشاء القدر أن يتخفى كالغريب، و يغير اسمه إلى (حسان ابن نافع) و يعيش مستأمنا في قصره، بل و يحب جاريته (ياسمين). حتى يفاجئه بنهاية القصة باسمه؛ فيختلفان إلى أيهما يكون الوفاء؟ هل لوعده بالأخذ بثأر أبيه، أم لوعده بتأمين حياة الغريب؟
·         و نرى الشيخ (زين الدين) ذو الوجه المشرق الصالح الندي و اللحية البيضاء الذي يقابله (علي بن أبي أميه) في سفره كلما ذهب باحثا عن قاتل أبيه، ثم تنشأ بينهما علاقة من نوع المريد و المعلم. حتى تتجلى في قوله (زدني) فيزيده آية بعد أخرى عن الله في توظيف مباشر للنص القرآني داخل الحوار. و ينتهي الأمر بأن يستقر معه على درجة من النقاء الفكري التي تساعده في التغلب على عبوديته لأفكاره السابقة (الثأر، القتال،.....).  و لا ينسى المؤلف أن يضيف رأيه على لسان السيد (علي) في الاعتراض على تصوف الشيخ لأن الدين حرم الرهبانية. كأنه يذكرنا بأننا سنأخذ منه فقط الحكمة في طيات الرواية، و يجب ألا نقلده. و كثيرا ما تجد وصفه لشخوص تتراوح من الزهد إلى التصوف في روايات الكيلاني الذي خبرها من صغره في بلدته طنطا.
·         كرر و أسرف الكيلاني في وصف العلاقة و الخلاف بين الجارية المحررة (وعد) و زوجها الشاعر الضعيف في غير موضع. و ربما أراد أن يخفف لحدة الصراع بالمداعبات بينهما. لكنها يقول أنها شخصيات تنطوي على عبودية أخرى كالجارية التي تحررت من العبودية إلى زواج غير ما تريد.  و كالشاعر المعتد جدا بنفسه مثل كل من يتقلد ما لا يستحق من مناصب في زمنه.

تتجلى فكرة (الحرية) بين الأبطال في طيات الحوار:
-عجيب أمر هؤلاء الناس يا ياسمين..
-و فيم العجب..؟؟
-بالأمس يتحمسون للأمويين و يناصرونهم..و اليوم يلعنونهم و يلعنون السخط عليهم و على سياستهم..يا له م تضاد غريب!!!، و تمتمت "ياسمين"
-إنه الخوف يا سيدتي..
-سلوك يبعث على النفور..
-الخوف هو الكارثة..خوفهم من بني أمية بالأمس، و من بني العباس اليوم..
-و أين الكرامة!!
-القوة كل شيء يا سيدتي..
-و لماذا لا يكون الناس أحرارا في تأييدهم أو معارضتهم؟؟
-الحرية الحقيقية هي التحرر من الخوف..
و في المحور الثاني (الانتماء)، يقول المؤلف:
(لم يكن انتماء فرد من الأفراد إلى الطائفة العباسية أو الأموية بقادر على أن يحل مأساة "الانتماء" كما يسمونها..لأنه سيكون حلا ظاهريا لا يرقى إلى مستوى الروح القلقة المعذبة التي ينعكس عليها قلق العصر و عذابه.)
ففي بداية القصة، يسقط الكيلاني رؤيته على لسان الجارية (ياسمين):
( لعنة الله على الحرب و على السياسة....خوارج و عباسيين و مصريين و يمنيين، حتى البيت الأموي نفسه منقسم إلى طوائف..الدنيا كلها صراع و تناحر و قتال و مؤامرات..أشياء لا تمت إلى الدين بصلة....هل من الضروري أن تنشب هذه الخلافات، و تراق تلك الدماء الذكية؟؟ لماذا ينقسم المسلمون إلى عشرات الطوائف و النحل و المذاهب و قد كانوا بالأمس أيام الرسول – صلى الله عليه و سلم- وحدة واحدة تسع العديد من الآراء و الأفكار، دون أن تقوم المعارك و تزهق الأرواح؟؟ لماذا..لماذ؟؟)
و كانت سيدتها (لمياء) لا تفسر هذه الأحداث إلا تفسيرا واحدا هو أن الشيطان قد وجد الفرصة سانحة ليسير سيرته الخبيثة في الأرض، ويعود بالناس إلى الوراء..إلى أيام الجاهلية، ولو صلحت أحوال الناس، و صفت قلوبهم و ضمائرهم من الأطماع و الجشع و الأحقاد لعاد الوئام، و انتشر السلام في ربوع العالم الإسلامي..
و يتطرق على لسان (علي) إلى أن الخلاف بدأ احتجاجا على مظالم بني أمية، و عبثهم بأصول الدين، ثم تحولت الثورة بالتدريج إلى لاف شخصي –أو شبه شخصي- بين فئتين من الفئات الكبيرة، لم يكن خلافا بين منهجين أو فلسفتين، و من ثم لم يكن غريبا أن يرتكس الطرفان في الأخطاء و الحماقات..
يقول الشيخ (عبدالله) الذي يوصف على لسانه صهره (علي) بأنه عاد إلى أصول دينه يستفتيها و يسألها الرأي و لم يربط نفسه ببيت و لا حزب. و إنما ارتبط بالقيم الدينية الخالدة التي لا تعرف الزيع و الأهواء:
(إذن فخذها صريحة..كلكم على ضلال..فأنا لا أقر ما يحدث سواء في عهد الأمويين أو العباسيين..و لا يرضى الدين و لا الشرع أن يصل الخلفاء إلى أريكة الحكم بالقوة و القهر و الوعيد...أتنكر يا ولدي ان الحرب التي قامت لم تكن سوى صراع بين بيتين من البيوتات العربية الكبيرة؟)
نعم، لقد قال الكيلاني في روايته الكثير مما يجب أن يقال اليوم. لا يجب أن تمر دروس التاريخ بقراءة متشنجة و متعصبة لأناس سبقونا بالإيمان فأصابوا و اخطأوا، غفر الله لهم. و لا يزال القوم يسمون أنفسهم أحفاد فلان و علان نسبة لهم بعد قرون و كأنهم يحملون معهم وزرهم متفاخرين و مدافعين عنهم. و إن كان الفارق الحقيقي أنهم قد قدموا ما قدموا من اختلاف و خلاف، و انتهت أعمالهم في الحياة الدنيا و يحاسبون في دار الحق. بينما اليوم يتعمد بعضنا أن يكتسب ذنبا آخر بهذا الاختلاف الفكري أو التاريخي ما دامت قلوبهم تنبض بالكراهية، و عقولهم تتقد بالفتنة. لو أنهم قرأوا التاريخ بقراءة منصفة، لتعلموا منه الكثير، عوض تقليد أخطاء الأجداد و التفاخر بهم و بدولتهم كأهل الجاهلية.... و لكن قومي لا يعلمون.
 الكتاب: الرايات السوداء – سلسلة روايات إسلامية
عدد الصفحات: 234 من القطع الصغير
دار المؤيد (الرياض- السعودية) – دار البشير(طنطا - مصر)
الطبعة الأولى 2002
رقم التصنيف الدولي:  9772781808 ISBN     
  
أعيد النشر في نادي اقرأ